
مجسّم الظلم والصمت والشموخ
قلما تجد رمزا يجسّد أضداد هذا المجسّم.
تطوي هذه اللوحة في ثناياها عار مجموعة وصمت جموع وشموخ شخص.
عار اجهزة مخابراتية خططت، وضابطة عدلية حققت، وقاض تحقيق استجوب ونيابة تمييزية اتهمت وقاض محكمة خاصة حكم. باعد الزمن كثيرا بين هذه الحقبة القضائية المخجلة وفترة القضاء اللبناني الذهبي عندما كان ينهر جورج السيوفي و اميل تيّان درّاجا يحمل اليهما ما قرر رئيس الجمهورية ويطردانه. لما ذكر اسماء البعض وكتمان سائرهم؟ قرار تعمدته. الهامات يخلّد ذكرها اما الوضعاء فليبقوا حيث هم في لجّة الهوان والنسيان.
خطت بعناية. انفجار في كنيسة. من يكترث بعدد الضحايا؟ تسري اشاعات عن من هم وراءها. ثم يوقف سمير جعجع ويحل حزب القوات.يخضع لتحقيق مذلّ ثم يحال على محكمة خاصة – المحاكم الخاصة عنوان الانظمة القمعية- يهدد شهود الدفاع ويختار شاهد الاثبات الرئيسي مسيحيا فلسطينيا. كونه فلسطينيا لن يجد بين المسيحيين من يشد ازره والفلسطينيون ينفضون من حوله لانه مسيحي. يهوّل على المحامين ثم تصدر الاحكام بالاعدام وبالسجن. اما الاعدام فيجعل من سمير جعجع بطلا. فلنسجنه في اوضاع محتم الموت معها. موت لا يكون في السجن اذ هنا ايضا ما يحمل على الشهادة بل يطلق سراحه وهو في حال نزع كي يموت في فراشه كما جرى في حال نور الدين الاتاسي وصلاح جديد.
يضاف الى هذا العار ما هو اشد ادانة للبنان. انه البعد الطبقي لقضية جعجع. في لبنان من هم دون القانون ومن يعلوه. ثمة نخبة سياسية في لبنان لا يسمو القانون الى رفعتها. لها ان تفعل ما تشاء دون حساب ولا محاسبة فان كان لا بد من ابعادها فليكن الاغتيال سبيلا. اما السجن والاهانة فهو قدرالمواطن وليس السادة. سمير جعجع مواطن من عائلة متواضعة من مكان قصي. فليرمى في السجن.
ولما كان الظلم بالظلم يذكر،لا أخالني اقوى على مقاومة ان أطرح، وعن منبر القوات اللبنانية بالذات، هذه الحاشية. وصمة ما تزال تلطّخ سجل العدالة في لبنان. انها قضية موقوفي الضنية. ما من مبرر اطلاقا لإبقاءاعداد ضخمة من الموقوفين لسنوات ما تزال تتجدد، دون البت بقضاياهم تجريما او اطلاقا.
لنعد الى المجسّم. اضافة الى الظلم هناك الصمت.
من شاء ان يستعيد تاريخ لبنان بحثا عن بطولات المجتمع اللبناني خير له ان يقفز عن تلك الحقبة. ساد صمت ثقيل مشين طوالها. في لبنان سياق سياسي يعرفه الجميع ولا يصرّح به احد. انه صراع مكونات لبنان التاريخية. يجد كل مكوّن نصرا في ضعف المكوّن الآخر. غير المسيحيين ارتاحوا الى اجتثات راس المكوّن المسيحي عبر المنفى والآن السجن واستبدال قياداته بأخرى طيّعة سهلة الانقياد. اما المجتمع المسيحي فكان منهكا محبطا فلاذ بالصمت.
غير ان ضوئين انسابا في ذاك الظلام دون ان يبددانه. أنه صوت البطريرك وصوت مؤسسة حقوق الانسان والحق الانساني (لبنان). اما البطريرك فلأنه تمسّك بما شاء سائر الاحبار ان ينسوا: ما من وصية كررها المسيح اكثر من “لا تخافوا”
مؤسستنا ايضا رفعت الصوت. مؤسستنا تدرك ان شرع حقوق الانسان افردت حيزا للحقوق القانونية تعدّى سائر الحقوق. من اصل 23 حقا مفصّلا، 7 منها اختصّت بالحقوق القضائية والسبعة، الى غيرها من الحقوق، انتهكت في قضية سمير جعجع.
يبقى الشموخ.
كان من الممكن انسدال الستار على مشهد الظلم والصمت. لكن ثمة من حوّله الى ظفر. كان ذلك بشموخ سمير جعجع. لم يكن قدرا محتوما ان يدخل تلك العزلة ومهانة السجن. كان مرحبا به في اطار السياسيين الذين انتقلوا الى الضفة الاخرى وغرفوا مع الغارفين. كان له ايضا ان يترك لبنان الى منفى يختاره وينتظر انحسار العاصفة. لكنه اختار ما لم يختره احد. اختار الشموخ.
لا تكتمل الصورة ما لم نذكر من شاطر سمير شموخه. اوديسيوس يحتاج الى بنيلوب. ستريدا كانت بنيلوب التى انتظرت عودة اوديسيوس من حرب طروادة الى ايثاكا. كبينيلوب، لم يكن انتظار ستريدا لا سهلا ولا مريحا. تعرضت للاهانة, ضيّق على زوارها وازوّر عنها حتى الاقرباء. لكنها استمرت بكبر وبرفعة تقاوم الانواء حتى انتصرت.
اود ان اختم كلمتي بما اري فيه اصدق وصف لما مر به سمير جعجع.
ليس في شخصية يوسف ما يطابق او يماثل سمير جعجع. لكن في سيرة ذاك الوجه التوراتي ما يتقاطع مع صاحب المجسّم. تقرأ في سفر التكوين 20:50 قول يوسف لاخوته الذين اساؤا اليه”انتم قصدتم لي شرا. اما الله فقصد به خيرا لكي يفعل كما اليوم. ليحيي شعبا كثيرا.”