قد تكون حرب غزّة، بطبعتها الجديدة، فاجأت أكثر المراقبين اطّلاعاً ومتابعة، في غمرة الحروب العربيّة – العربيّة والعربيّة – الإيرانيّة، على امتداد الرقعة الواسعة من اليمن إلى العراق فسوريّا ولبنان.
في ظاهرها، كانت ردّة فعل على اختطاف ثلاثة فتية إسرائيليّين وقتلهم، بما يستعيد، في التشبيه والتقريب، حربَي 1982 وتمّوز 2006 في لبنان، بعد اغتيال سفير إسرائيلي في الأولى وعمليّة “حزب الله” في الثانية.
توقيت عمليّات مشبوهة أدّى إلى حروب ذات أهداف وتأثيرات عميقة. ولا تشذّ عمليّة تصفية الفتية الإسرائيليّين عن القاعدة: جهة غير محسومة الهويّة ورّطت غزّة وحركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” في حرب واضحة النتائج.
فكما كانت حرب 1967 (المعروفة بالنكسة)، وملحقها في ال1973(المعروفة بحرب تشرين)، واضحة النتائج: ضمان استقرار وضع الجولان تحت الاحتلال الإسرائيلي على مدى 42 عاماً(حتّى الآن!).
وكما كانت حرب تمّوز في لبنان 2006 واضحة النتائج، تحت رعاية القرار 1701: تكريس جولان ثانٍ لضمان أمن شمال إسرائيل أيضاً، 8 سنوات(حتّى الآن!).
هكذا ستكون نتائج حرب غزّة: تكريس جولان ثالث لضمان أمن جنوب إسرائيل، إلى أمد غير محدّد.
صحيح أنّ حرب 1973 كبّدت إسرائيل خسائر ثقيلة، وكذلك حرب 2006، مع خسائرها اللافتة في غزّة الآن، لكنّ الأهداف الخفيّة تحقّقت عمليّاً، في أكثر من 4 عقود “سلام” في الجولان، وأكثر من 8 سنوات “سلام” في جنوب لبنان، والحبل على الجرّار.
إذاً، نحن الآن أمام تكريس جولان فلسطيني في غزّة، على غرار الجولانَيْن السوري واللبناني.
وتضامن “حزب الله”، ووراءه إيران، مع “حماس” و”الجهاد”، هو صورة طبق الأصل عن تضامن القمم العربيّة مع دول المواجهة بعد حربّي 1967 و1973، وتضامن إيران و”حزب الله” في حرب غزّة سنة 2008، إنشائيّات لا تُسمن ولا تُغني عن جوع.
وليس تأخّر الأمين العام ل”حزب الله” السيّد حسن نصرالله، في إعلان تضامنه أكثر من أسبوعَيْن، ناتجاً عن وضعه الصحّي الذي جرى الترويج له، بل عن ارتباك واضح حاول الخروج منه باتصال هاتفي مع زعيمَي منظّمتَي غزّة، وفي خطابه الراعد وغير الواعد، أمس.
ليس في وسع إيران، وتالياً “حزب الله”، تقديم دعم فعلي للمقاومة الغزّاويّة، فهما يدركان أنّ النتائج نفسها التي حكمت حرب تمّوز 2006 ستحكم حرب غزّة 2014.
ولا يستطيع “الحزب” المزايدة على مقاومة غزّة، لا في التضحيات ولا في الفعاليّة والإنجازات الميدانيّة.
كما لا يحقّ له انتقاد النتائج المرتقبة، أي “السلام” الواقعي والموضوعي مع إسرائيل، لأنّ فضله قد سبق، وحوّل جنوب لبنان إلى واحة استقرارعلى الطريقة الجولانيّة، متباهياً ب”سلام الفيلاّت”، كما أسلفنا
.لكنّ الفارق الجوهري بين “سلام” جنوب لبنان و”سلام” غزّة، هو أنّ “حماس” غير مرشّحة لاستغلال “سلامها” مع إسرائيل كي تنخرط في حروب خارجيّة، لا في مصر ولا في الأردن، ولا في سوريّا ولبنان والعراق، وحيثما يشاء المشروع الإيراني.
بينما جعل “حزب الله” من هدوء الجنوب غطاء لحروبه في الشمال: أدار ظهره لـ”العدوّ” القديم كي يحارب العدوّ الجديد في بيروت ودمشق وبغداد .. و”حيث يجب”.
الحالة الجولانيّة المرتقبة في غزّة آتية لا محال، وبعدها يمكن فتح باب الحلول التي تتعثّر ولا تجد مرتكزاً ثابتاً للتفاوض.
ليس في أفق حرب غزّة سوى هذا الاحتمال، فالجولان وجنوب لبنان نموذجان صالحان للتكرار.
وبذلك تكتمل حلقات مسلسل “الممانعة والمقاومة”، ويكون ثمنها آلاف الضحايا التي كانت مجرّد وقود لحروب عبثيّة تنتهي إلى اعتراف موضوعي، ولو معلّق، من “جبهة المقاومة”، بأمن إسرائيل.
أليس هذا ما فعله “حزب الله” تحت غطاء القرار1701؟
كانت سوريّا في غنى عن الأثمان البشريّة والاقتصاديّة التي دفعتها، بدون أن تحرّر شبراً من الجولان.
وكان لبنان في غنى عن المغامرة المدمّرة سنة 2006، تحت شعار “لو كنت أعلم”.
وكان يُمكن تلافي مآسي غزّة، طالما أنّ النتيجة السياسيّة – الأمنيّة معروفة سلفاً. فليس في الأفق انتصار موهوم أو “إلهي” على غرار “أعدكم بالنصر مجدّدا” في أدبيّات حسن نصرالله.
جولان ثالث، نعم. وبأثمان باهظة من دماء اللبنانيّين والسوريّين والفلسطينيّين، تكاد تكون مجانيّة.