#adsense

من زنزانة الى صومعة

حجم الخط

تساءل كثر واستغربوا وجود ذاك السجن المُصغّر هناك في معراب، وإقدام حزب “القوات اللبنانية” في الذكرى التاسعة لخروج الدكتور سمير جعجع من المُعتقل على تدشين مجسّم الزنزانة بالقرب من المقر العام لـ”القوات اللبنانية” ومن بيت الحكيم، في احتفال بعنوان: “زنزانة الحكيم، ذاكرة الحرية”.

تساءلوا منذ عرض برنامجي “سيّد القصر” و”إيمان وحروب”، اللذين أظهرا التفاصيل المؤلمة والموجعة لما كان يحصل في ذاك المعتقل على مدى سنين طويلة، من ذُلّ وإهانات وتنكيل وتعذيب… حتى الإستشهاد!! كلبشات، بلنكو، كهرباء، صراخ، أنين… انتهاك فاضح لكل المواثيق والقوانين المحلية والدولية.

من الصعب جداً لمن يفكر بشكل منطقي ومنهجي، أن يفهم المعنى الحقيقي الذي يدفع بشخص قضى 11 سنة في زنزانة، أكلت كثيراً من سنين عمره، يحملها ويُسكِنُها في جواره، كمن يتمسك بجوهرة نادرة، لا يريد أن يحيدها ثانية عن ناظره، بينما الحري به، محو كل تلك الحقبة السوداء من ذاكرته.

إذاً لماذا الزنزانة في معراب؟ ظاهرياً، أي جواب سيكون معقداً قليلاً وبعيداً عن الواقع. أما جوهرياً، فالجواب بسيط وبسيط جداً.

خلال وجود الحكيم كل تلك السنين في الزنزانة، وبعد قبوله وتأقلمه مع وضعه المُستجد، وإدراكه أن فترة وجوده هناك ستكون طويلة، بدأ رويداً رويداً بتحويل تلك الغرفة الصغيرة الضيقة، من زنزانة رثّة مُهترئة تُرهق وتُهلك ساكنها، الى صومعة تعبق برائحة الإيمان الذي زرعه فيها من خلال التجدد الروحي الذي مارسه، وتنقية الضمير والنقد الذاتي لكل الأخطاء التي مرّ بها على كافة المستويات، والأهم، الغوص في أعماق الفلسفات والأديان والروحانيات وسِيَر القديسين، ما ساعده على الإرتقاء لمستوى روحاني وفلسفي، من الصعب جداً الوصول إليه في ظروف عادية. فأضحت تلك الأمتار القليلة، خزان إيمان ومسرح حرية مفقودة على مساحة الوطن كله.

في أحدى المرات التي زُرت فيها وزارة الدفاع في تلك الأيام البائسة، صودف وجودي أمام باب إحدى الزنزانات، لكثرة المعتقلين الذين كانوا يضعونهم في الممرات بسبب إمتلاء الغرف. عندما كنت أسمع أصوات التراتيل المُتصاعدة من تلك الزنزانة، لم يخطر ببالي أبداً أن يكون هذا الصوت صوت الحكيم، ظناً منّي أننا لم نرق بعد الى رتبة الطابق الأخير تحت الأرض. وفي الصباح بعد أن استحم وعاد الى زنزانته، وعند لحظة سماع صوته يقول لهم “ميرسي شباب”، إنتابني شعور غريب عجيب لم أختبره طيلة حياتي، شعور أَنساني الخوف والأوجاع والرعب الموجود في ذاك المكان، والقلق الكبير من الآتي من تحقيقات وتركيب ملفات، شعور بالطمأنينة والسلام، رغم فظاعة وقباحة تلك البقعة من الجحيم.

سمير جعجع، كم نتمنى أن يعرفك مجتمعنا كما نعرفك نحن، ويلمس بإصبع توما ما أنعم الله به عليك من عمق روحي وصفاء ذهني ووضوح في الرؤية، من رُقي أخلاقي في التصرف وإحترام في التعامل وصلابة في المواقف، ومن إصرار على الوقوف مع الحق في وجه الباطل، بإلتزام قلّ مثيله.

عهد علينا، ووعد منّا اليك، أن نبقى سوياً على الدرب التي رسمها أجدادنا بعرقهم ودموعهم ودمائهم، على الدرب التي قُدّتَنا عليها وأسقيناها ايضاً وايضاً من عرقنا ودموعنا ودمائنا، وعليها تَعَلمنا معك معنى الإلتزام والثبات والتضحية في سبيل مجتمعنا، والأهم، التمسك بالقيم والمبادئ التي عاشها آباؤنا وأجدادنا على مدى 2014 سنة، القيم والمبادئ ذاتها التي من أجلها إفتدانا إلهنا ومخلصنا بموته على الصليب. نتضرع إليه اليوم، وكل يوم، أن يبقى معنا ويحمينا في هذا الصراع الدائم والمُزمن بين الخير والشر، والذي لن ينتهي إلّا بمجيئه الثاني، وأن يحفظك لنا سليماً معافاً… كما دائماً.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل