لم يكن يوماً المسيحيون العراقيون لاجئين لا في أرضهم ولا في أرض الناس الواسعة. هم الآن كذلك، شرّدتهم وحشية البرابرة الجدد، جعلتهم أهل ذمة بالقوة، حوّلتهم الى جماعات اما مقطوعة الرؤوس، أو مقطوعة الامل بعودة قريبة الى أرض الوطن، الى منبع الحضارات، العراق.
هؤلاء ليسوا عابرين في الحضارة المسيحية ولا في حضارة العراق، ولم يكونوا يوما أهل ذمّة، الشعب العراقي يُضطهد الان مرتين، مرة على يد الوحوش البشرية التي تجتاح عراقهم، ومرّة اخرى عندما خرجوا طوعا من وطنهم، ليتحولوا الى ما يشبه المتسولين في بلدان مجاورة ونحن أولها.
على الاقل عاملوهم كاللاجئين السوريين، هذا مطلب العراقيين، هم الذين عاشوا على مدى قرون، معززين مكرّمين كمواطنين لهم حقوقهم وعليهم واجباتهم، ولم يشعروا يوما بضيق أو بتفرقة، اذ لطالما كانوا مكوناً أساسياً من قبل زمن الرئيس الراحل صدام حسين، حتى وصوله الى الرئاسة، لكن وبعد الاجتياح الاميركي للعراق ثم انسحاب الاميركيين، بدأت الامور تنقلب على رؤوسهم، اذ ظهرت الجماعات المتطرّفة وبدأت التعرّض لهم، ولم تقم حكومة نور المالكي المدعومة من النظام الايراني، وحتى الان بأي بادرة لحمايتهم من داعش، فصار المسيحيون اما رؤوساً مقطوعة تتراقص على سيوف البرابرة، أو مهجّرين هناك وهنالك.
اذن وللمرة الالف، هؤلاء ليسوا عابرين في المسيحية، ولا هم أهل ذمّة ولا هم بدو رحّل، انهم أهل الارض الاصليين، وأهل تلك الارض شّردوا واضطهدوا ووصلوا الينا بالمئات من دون ممتلكاتهم، يحملون أطفالهم وكل وجعهم وخوفهم ووطنهم في حقيبة، علّهم يجدون دعما ما، أملا ما، بلسما ما لجراحهم العميقة الصعبة الشفاء، واذ بهم يُضطهدون هنا وللمرة الثانية، إهمال الحكومة اللبنانية لهم لم يكن لافتاً وحسب، انما مدوياً فاقعاً كي لا نتسرّع ونقول متعمداً.
كل شيء تصدّى لهم، لا أماكن لائقة تأويهم، لا أفق، لا مساعدات، ما عدا المبادرات الفردية طبعاً وهمّة بعض الكنائس والاديار، والسؤال للدولة الرامشة على مصائب اللاجئين السوريين، وتضع كل مقدّراتها بخدمة اولئك الذين ناهز عددهم المليون، الا يمكنها على الاقل الاستفسار عن العراقيين اللاجئين، وأن تساهم ولو بالوساطة مع جهات نافذة لمساعدة هؤلاء؟! أتراها الدولة لا تعرف ما يجري فوق أراضيها؟ الا ترى أوضاع هؤلاء؟ الم تضطلع على مصائبهم؟
ليس المطلوب أن يسكنوا في فنادق النجوم الخمسة ولا في شقق فاخرة، لكن على الاقل الا يتعرضوا للاهانة ولمذلّة اللجوء تلك، ولتتذكر الدولة الكريمة ان المسيحيين العراقيين هم من صانعي حضارة العراق وليسوا من أهل الذمة، وانهم شعب متحضّر عاش دهورا حياة كريمة، وأن العائلات العراقية المسيحية هم من العائلات العريقة في بلادها وليس لائقا بنا اذلال هؤلاء بشبح العوز وتوسّل المكان والرغيف وعلبة الدواء. كل المطلوب لفتة رعاية.
قد لا يملك لبنان قدرات كافية للمساعدة أكيد، لكن لفتة القلب قد تكفي أحيانا ليعرف هؤلاء اننا اخوة بالتضامن وبالانسانية، ولتتذكر الحكومة اللبنانية ان مسيحيي العراق هم اهل الحضارة فليتعاطوا معهم بحضارة مماثلة…
