
في الاول من آب نهنّئ جيش الوطن بعيده الذي يجب أن يكون عيد قيامة الوطن، لا بدّ من استصراح الواقع المحبِط، واقع تجاوز سلاح الجيش بلا شرعية سلاح بديل، وواقع الكَذَبة الذين يهلّلون للسلاحَين. وهؤلاء نسأل: على مَن تكذبون؟ والمؤكَّد أنّ ولاءهم للسلاح الآخر.
يعتبر أصحاب أنظمة السّلاح أنّ ديكتاتوريّتهم منيعة، مهما شهدت من تَحَدّ منتظم للشعوب التي تستخدم النّضال اللاّعنفي سبيلاً لمواجهة هذا النّير. وغاب عنهم أنّ هذا الشّكل من النّضال، ومن خلال ردّات الفعل عليه، قد كشف الطّبيعة الوحشيّة لحيثيّتهم القمعيّة أمام مراقبة الدّاخل والخارج، والتي باتت تؤكّد تماماً أنّ السّلاح شكّل مؤسّسة متفلّتة من سيطرة الدولة أو حزباً متحكّماً إنتهاكيّاً، أي أزمة سياديّة “عويصة”، وبالتالي لم يبقَ في المقابل سوى خيار وحيد هو الإنتفاضة الحتميّة عليه للتخلّص من نظامه البغيض، وممّن يظنّون أنّهم يؤمّنون له الغطاء.
في لبنان، زُمَر السّلاح تتعاطى في الداخل، وبعناية فائقة، إجراءات شكليّة تحشدها ظاهريّاً في خانة العمل الديمقراطي، كبعض الإنفتاح وتليين النّبرة والدّعوة الى المُسالمة، ما يوفّر لها في الفترة الحاليّة، وقد ضاقت عليها الحَلقة، قناعاً إلزاميّاً لتدخّلها السّافر خارج الحدود، ولتلاعبها الدائم بمصير الوطن من باب اغتيال قيامته المأمولة. ولكن، هل كلّ من يدعو الى سلام، يريد فعلاً سلاماً متوازناً عادلاً يأخذ بالإعتبار أحقّيات الشركاء، أم إستسلاماً لا يعني أكثر من سلام الخنوع أو القبور؟
إنّ نظام السلاح لن يمنح أصحابه شرعيّة بِـ”جرَّة” قلم، ولن يبقى كالزّمن الى اللاّنهاية، لأنّ العنف هو واجهته الأساسيّة التي تعرّض الإستقرار الوطنيّ والديمومة للخطر، وبالتالي فربطه بالمقاومة محاولة باتت مكشوفة وفاشلة، وتغطية متمرّدة على الحقيقة. ذلك أنّ السّلاح رجّح، في المعادلة الداخليّة، كفّة من يمتلكه في محاصرة شعب وانتهاك حريّة وإهدار حقّ، وفي زعزعة المصلحة العامة التي تمسّ كيان المجتمع وتزجّه في حبس إحتياطيّ. والأدهى أنّ حرمته التي فوق حرمة الوطن، كفلت حقّه في تغويص سلاح الجيش في لجّة النسيان، وفي رشق معارضيه بتهمة العمالة التي تطحن كرامتهم وحياتهم.
السلاح الذي لا ينشر إلاّ ثقافة الخوف ويغتال سيادة القانون ويلاشي حق الجيش في بسط سلطة الدولة على كامل جغرافية لبنان، كما في المسطرة اللبنانيّة، قد إستنبت أسلحة واستجلب أسلحة، ما يعني تفاقماً للضّرر اللاحق بالسيادة والأمان، وتحبيذاً لجرائم وتحريضاً على ارتكابات واستعداداً لفتنة. كلّ ذلك جعل المواطن يقف أمام لوحة سوداوية، مضامينها ليست سوى الخوف والقرف.
إنّ النتائج الكارثيّة لديكتاتوريّة السّلاح الذي يفترس الوطن ويقضي على جيشه، تقتضي انتفاضة وطنية جريئة يُؤمَل أن تستطيع تحجيمه، وجعل امتلاكه وكالة حصريّة بالدولة وبقواها الشرعية. وبهذا وحده يتحقّق تحرير المواطن من إقطاع أهل السلاح وإرثهم الثّقيل، ولا يتذكّرهم إلاّ بصورة مُشلّعة البرواز. وبهذا فقط ينعم الجيش بعيده، درعاً وحيداً للوطن وأهله، فيُنشَد “كلّنا للوطن” من دون نشاز.