على وقع تطوّر الأحداث في المعركة التي يخوضها الجيش اللبناني ضد الإرهاب المُنسَلّ عبر الحدود، يتّضح للمراقب أنّ استيراد وعي وثقافة ومسؤولية إلى عقول الجموع المتحلّقة حول شاشات مفتوحة على تواصل اجتماعي طائش، لَهوَ أصعب بأشواط كثيرة من استيراد الأسلحة والعتاد إلى عناصر مؤسسة الشرف والتضحية والوفاء.
فيما تجتهد أرتال من الصحافيين والمدوّنين والمثقفين لتقديم قراءة واعية وموضوعية حول العديد من الملفات المستجدة ساعة بساعة، يحوّل معظم روّاد السوشال ميديا المواضيع المتواترة إلى تيترات أحاديث تليق أكثر بجلسة صباحية، ويتقاذفونها ببساطة تكاد تكون أخطر من القنابل العنقودية.
تمطرنا مواقع التواصل الإجتماعي دوريّاً بِوابِل من الصوَر والفيديوهات والتعليقات والمواقف بما يفوق قدرتنا على الاستيعاب والمتابعة.
وفي عجقة «الداتا» الواردة، تتسلّل شحنات من الأخبار الكاذبة المقصود منها إصابة القلوب الضعيفة والإرادات الهشّة ونَشر إشاعات تثير البلبلة، مثل فيديو ذبح ضابط لبناني وصوَر عشرات الجنود اللبنانيين المقتولين على الحدود، أو صوَر أطفال ونساء مشوّهين جرّاء القصف العشوائي لمدفعية الجيش، أو حتى دور العبادة المدمّرة، والتي اتّضَح سريعاً أنّ جميعها ملفّقة ومأخوذة من ساحات قتال أخرى سواء في فلسطين أو سوريا أو العراق.
ولا يُعدّ هذا سوى جزء من الحرب النفسية التي تشنّها الجماعات التكفيرية على خصومها، وخصوصاً تنظيم «داعش» الذي تمكّن خلال العام الماضي من التفوّق على الجماعات التكفيرية الأخرى، وعلى رأسها «جبهة النصرة»، ليس فقط بقوة السلاح وإنما بقوة الإشاعات وبَثّ الذعر من خلال صوَر وفيديوهات على مواقع التواصل الإجتماعي.
ولمّا أصبحت المعركة مع الجيش اللبناني في الفترة الأخيرة، كان من الطبيعي استخدام الوسائل نفسها معه. لكن في حين أنّ الطرق الملتوية هذه كانت واضحة بالنسبة إلى المتابعين عن كثب، إلّا أنّ الحيلة انطلَت على كثيرين غيرهم ممّن سارعوا إلى مشاركة (Share) الإشاعات وتوسيع دائرة التلوّث الإلكتروني، وحتى على بعض وسائل الإعلام التي بَثّت اخباراً من دون التأكد من صحتها أولاً.
الحجر الصحّي على الأخبار الملوّثة يبدأ من إيماننا بجيشنا ومن ثقتنا بوطنية تظلّل الجميع بالتساوي. وصحّة وطننا لا يمكن المحافظة عليها إلّا بوَعينا الجماعي ومحاربة العدو بما هو مُتاح أمام أيدينا… ونحن لا يمكننا المساهمة في هذه المعركة سوى من خلال تجنيد أنفسنا وتحويل شاشتنا الى متاريس نَغتال مِن خلفها إشاعات الأعداء.