
بصعوبة يمكن تجاهل ردود أفعال البعض وتعليقاتهم على ما يجري للمسيحيين في الموصل؛ أعني مَن يكتبون تعليقاً على مأساتهم الانسانية المريعة، مرورا بالطبع على بيان “دولة الخلافة” الناص على ذبحهم إن لم يسلّموا أو يدفعوا جزية، يقول هؤلاء بغضب واضح: لماذا تلومون “داعش”؟!
في الحقيقة يصعب الرد سريعاً على هذا النوع من الاسئلة والتعليقات التي تطالع المرء أنّى ولّى هذه الأيام في العراق مثل لعنة أو فضيحة. إن هؤلاء الناس العاديين الذين يدبّجون ملاحظاتهم، وجلّهم قراء أو متابعون عابرو سبيل، ممّن يدوّنون خواطر سريعة على صفحات الـ”فايسبوك” و”تويتر”، وفي مواقع أخرى عديدة، يقولون بعبارات صريحة: اقرأوا الكتب “الصالحة” رجاء، تمعّنوا في التاريخ المقدس جيداً، قبل أن تتعجبوا مما يفعله عناصر “دولة الخلافة”، أو حتى قبل ان تستدر عطفكم آلام العوائل المسيحية النازحة إلى الخيم في العراء أو إلى مخازن الحاجات المهملة على أطراف المدن، بعيداً من بيوتهم كما لو كانوا سبايا آخر الزمان.
بصراحة يمكن الرد نوعاً ما على بعض هذه التعليقات الواردة في هذا الشأن، لكن بمشقة؛ ليس من دون جهد أو طريقة تحاول أن تتجاوز العواطف. لكن كيف لا تترنح روحٌ ويرقّ قلب مع هذه المناظر التي تقذفها الموصل في وجه العالم اليوم بهذه الصيغة غير المسبوقة؟!
مع ذلك كله، لا يطيب للبطريرك مار روفائيل الأول ساكو راعي الكنيسة الكلدانية في العراق والعالم، إلاّ أن يمر “تأدباً” على هذا التاريخ الطويل الذي جرى منذ أكثر من 1400 سنة على هذه الأرض ويورده كمثال طيب للعشرة الطويلة والعيش المشترك. فعل الرجل ذلك مباشرة بعد بيان “الدولة الاسلامية” الأخير، وهو في سياق مناشدة المسلمين في العالم كله الانتباه إلى حال أخوانهم المسيحيين الفارّين بملابسهم التي يرتدونها وحسب، في ليلة ظلماء، من مدينة آبائهم وأجدادهم خلاصاً من حد سيف “الخلافة” بطبعة “داعش”. لكن هل كان كل هذا التاريخ فعلاً طيباً الى هذه الدرجة؟ يعلّق قارئ آخر تعقيباً على دعوة غبطته البريئة، ويعني، هل كان هذا التاريخ في معظمه خالياً من المجاملات؟ هل كانت متون الكتب مريحة، وهل الامنيات لم تكن مزركشة الى هذا الحد وهي تغفل عيشا صعباً؟!
30 كنيسة ومآثر وأحزان
نحو 30 كنيسة في الموصل وما حولها، أجلاها رهبانها وقساوستها ومواطنون أتباع بالآلاف مضطرين، خاويةً للريح، أو بالأحرى لعبث عناصر “الدولة” الجديدة في ولاية نينوى الذين استباحوها حالاً وكسروا صلبانها ورفعوا راياتهم السود فوقها، وحوّلوا بعضها إلى محاكم شرعية بعد الاعتداء على حرماتها وسرقة محتوياتها؛ آخرها منذ أيام فقط حينما استولوا على دير مار بهنام في أطراف الموصل الجنوبية وفي منطقة نائية تدعى الخضر، إذ طردوا رهبانها وسلبوهم كل شيء، بل وأجبروهم على السير على الأقدام لأكثر من خمسة عشر كيلومترا وصولاً إلى ناحية قرة قوش، أقرب نقطة للوصول “الآمن أو الموقت”.
أما على طريق النفي الجماعي الطويل نفسه خارج الموصل، بعيداً من حدود الدولة الجديدة، فثمة العديد من نقاط التفتيش والمفارز التي تفتش كل شيء حتى جيوب النساء والأطفال بحثاً عن مدخرات شخصية أو نقود، ولو كانت مصاريف الجيب نفسه.
يرقب العالم ويتابع الكثير من هذه المشاهد يومياً. الآن ثمة صور لا تنقطع، تحملها الميديا المستعجلة؛ صور أطفال ونساء وعجائز لا حول لهم؛ صور قد لا يشعر معها أي أحد بالعار والذنب الذي فينا أن نتحمله بمستواه جميعنا، وقد وصلت الأمور بهؤلاء الى هذه الدرجة من السوء، مع أن الجميع يعرف يقيناً أن أزمة المسيحيين بالذات غير حادثة، وأن للمصيبة الكبيرة التي حلّت بحجمها وقسوتها هذه، أسباباً لم تنبت الساعة في الموصل، كما هي حال مسيحييها اليوم.
مرة اخرى، لم يكن المسيحيون وحدهم من عانوا في أزمة المدينة أو كارثتها؛ فسواهم من بقية الأقليات والطوائف عانى. غير أن مسألة المسيحيين بالذات أو أزمتهم ومعاناتهم مزدوجة، وفيها من القسوة والذل ما هو مضاعَف بصورة أشد. كل مشكلتهم أصلاً أنهم لم ينضووا تحت رعاية قبلية أو ميليشيوية أو حزبية، تحتويهم أو تدافع عنهم وعن هويتهم كما الآخرون. أرادوا فقط العيش كمواطنين في بلاد تشكلت أصلاً بعد 2003 بلا مواطنين، بل من افراد تحميهم عشائر وطوائف وحتى أحزاب، فأكلتهم لذلك مع الوطن فكرة الطوائف والهويات والحواضن القاتلة التي قام عليها، ومنها “الوطن العراقي الجديد”.
أتحدث عن المسيحيين الآن ومن قال إن حالهم كانت افضل في غير الموصل، سوى بالوضوح الذي أعلنته عصابات “داعش” في بيان شيطاني مقتضب استوحى من التاريخ أرذله ومن الدين أحطّ منسياته التي لا تتلاءم قط مع أبسط حقوق الإنسان على الإنسان.
تجب الإشارة هنا بالضرورة إلى وزر الكل: الحكومة وشيوخ العشائر أو “ثوارها” والأحزاب، وأدعياء المنابر، ومؤتمرا عمان المعارضان، المجتمعان توقيتاً بالضبط على وقع تهجير الموصل أو بالأحرى حول متطلبات “الثورة” أو أخطائها “الخفيفة”، ثم فضائحيو التلفزيون، وأثيل النجيفي “المحافظ” وضباط المالكي الهاربون، وبالطبع أولا واخيراً الدول الإقليمية وأميركا، ممن هان عليهم كلهم الجرح، أو لعبوا به، أو تفرجوا عليه، الألم المسيحي بالذات، أو على الأقل فشلوا كلهم في شرح ما جرى وما يجري طوال سنين غير نافعة مضت، كانت فيها الموصل على المحك؛ أقصد أيضاً ما يتعلق بإشكالية “الأمنيات الطيبة” الشديدة الادب التي طافت في ذهن البطريرك الكلداني الأب ساكو، وهو يخاطب هؤلاء كلهم ويعني المسلمين عموماً، شاكياً طرد اشقائهم من مدينتهم في آخر جمعة قد يرونها فيها عشية انتهاء المهلة التي “كان” حددها لهم “خليفة المسلمين”، مستعيدا في طريقه تاريخاً وردياً لم ينفع، ولم يعد يشفع.