أُريدَ لعرسال أن تكون فخاً، فإذ بها تصير فرصة لإعادة تصويب الميزان على قاعدته الطبيعية. وهي القاعدة التي سعى جاهداً مجاهداً مشروع الممانعة الإيرانية ـ الأسدية على مدى السنوات الماضية، إلى كسرها بالقوة والعنف حتى «فات بالحيط» وداخ ولا يزال دائخاً.
كانت عرسال محطة على ذلك الطريق. لكنها محطة بارزة ومميزة، باعتبارها النقطة الوحيدة التي لا تزال «متفلّتة» من قبضة «حزب الله» على طول الحدود الممتدة من الهرمل شمالاً إلى المصنع جنوباً، بل إلى تخوم البقاع الغربي والبوابات الشرقية للجنوب اللبناني.
الملابسات التفصيلية لذلك الفخ تبقى ملكاً لمن نسجها وركّبها، وللأجهزة المعنية وغير المعنية، لكن تراكم المؤشرات أو «الأدلة الظرفية» كافٍ للاستنتاج والحكم بأن منطق الكسر والنفي والإلغاء الذي يعتمده «حزب الله»، وحاول ترجمته في عرسال بطريقة غير مباشرة، اصطدم بتلك القاعدة الطبيعية التي يستند إليها الاجتماع الأهلي اللبناني منذ مئات السنين، أي بالميزان الشفاف الذي يوزن به نفناف الذهب والماس وليس ما هو أكثر ثقلاً ووزناً من ذلك. وأي «مادة» غلط توضع فيه تصيبه بالكسر والتلف. وأي محاولة فظّة وجلفة لتصليحه تصيبه بتلف أكبر وأخطر وأكثر دواماً.
منذ سنوات وذلك المشروع يعيش في غربة شرنقته ولا ينتج إلا الكوارث. يدّعي بطولات إسبارطية ولا ينتبه إلى الجغرافية: لبنان ليس إسبارطة ولا سوريا ولا العراق ولا إيران. بل هو شيء من كل ذلك وأشياء من أمور أخرى، أبرزها أنه مطحنة عجيبة سبق وطحنت ما هو أكبر وأهم وأخطر من «حزب الله» ومشروعه الإيراني. من منظمة التحرير الفلسطينية إلى الإسرائيليين والسوريين وصولاً إلى الحلف الأطلسي، عدا عن الحواشي المحلية الملحقة!
عرسال بهذا المعنى، كانت تتويجاً لانكسار الوهم الممانع أو بالأحرى للغلوّ في هذا الوهم. والتجربة مؤلمة وقاسية ودماؤها تخص أعزّ الرجال وأغلاهم في الجيش… لكن لبنان منذ العام 2005 وما قبله، واقع في ذلك الجبّ المنحوس: يدفع أغلى الدماء والأرواح ثمناً لـ«تجارب» ذلك المشروع الممانع ومحاولاته لفرض منطقه المنفرد في واقع متعدد. وسياساته الخاصة في مناخات عامة. وخياراته المقفلة في عالم مفتوح. وارتباطاته المذهبية الأحادية في محيط متنوع وشديد الحساسية.
… والمصيبة أنه مشروع متشاوف ومكابر وأرعن. يرتكب وينكر. ويخطئ ويحمّل غيره التبعات والمسؤوليات وموجبات التصحيح: منذ تسع سنوات وهو يبلف ويزوّر ويناور ويهدّد وينفّذ! ويلاحق ويتّهم ويفتري ويفجّر ويدمّر… ولم يكن «داعش» وطلاسمه موجوداً؟ بل خصوم رفعهم إلى مرتبة الأعداء، واعتمد حيالهم بيان التطرف وآلياته، وهم أرقى اشكال الاعتدال في كل شأن!
فات بالحيط وداخ. وأخذته دوخته الى الأتون السوري وما هو أبعد منه! واقعة عرسال قد تكون فرصة، وعودة الرئيس الحريري قد تساعده على الإبلال من تلك الدوخة!