عرسال في قبضة الدولة.. وترقب معطيات جديدة حول العسكريين الـ39 اليوم
الحريري يفعّل مشاورات «المليار» رسمياً وديبلوماسياً وعسكرياً
في يومه الثاني في بيروت، كما الأوّل، شرّع الرئيس سعد الحريري أبواب «بيت الوسط» أمام خلية عمل لا صوت يعلو فيها فوق صوت الاعتدال ومعركته المفتوحة على التطرف والإرهاب، وعلى رأس سلّم أولوياتها تزخيم الاستقرار في البلد وتفعيل آلية تسليح المؤسسات العسكرية والأمنية الشرعية بموجب الهبة المقدّمة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز بقيمة مليار دولار، ولهذه الغاية عقد الحريري أمس سلسلة اجتماعات ومشاورات رسمية وديبلوماسية وعسكرية هدفت إلى تأطير الجهود المبذولة توصّلاً إلى وضع الهبة السعودية موضع التنفيذ العملي والفوري.
وفي الغضون، شرّعت عرسال أمس مداخلها ومناطقها وأحياءها أمام استعادة الدولة سيطرتها على كافة أرجاء البلدة بعدما نفضت لبوس الإرهاب الدخيل عنها و«بات الجيش مسيطراً سيطرة تامة» عليها وفق ما أكدت مراجع أمنية لـ«المستقبل»، مشيرةً في هذا السياق إلى إحكام الجيش قبضته على جميع مواضع انتشاره ومواقع تمركزه وصولاً إلى موقع «الحصن» الذي كان قد سقط في أول أيام الهجوم الإرهابي المباغت على البلدة، في حين أعادت قوى الأمن الداخلي تمركز عناصرها في فصيلة درك عرسال بعد اختطاف عناصر الفصيلة الذين كانوا مرابضين في الفصيلة في ذلك اليوم المشؤوم.
«بيت الوسط»
إذاً تتواصل مشاورات «بيت الوسط» حول سبل تنفيذ الهبة السعودية للجيش والقوى الأمنية، وقد استهلها الحريري أمس بالاجتماع مع سفراء وممثلي مجموعة الدعم الدولي للبنان في حضور مدير مكتبه نادر الحريري، شارحاً مضامين مساعدة خادم الحرمين للبنان والاتصالات والجهود المبذولة لتلبية حاجات الجيش والقوى الأمنية بغية تمكينها من القيام بالمهام الملقاة على عاتقها لمكافحة الإرهاب وترسيخ الأمن والاستقرار في البلد، كما جرى البحث في المساعدات التي يمكن أن تقدمها دول المجموعة في الإطار عينه، فضلاً عن التطرق إلى مساعدة لبنان لتحمل الحاجات المتزايدة للنازحين السوريين وضرورة مساعدة القرى والبلدات التي تأويهم. كذلك شملت لقاءات الحريري الديبلوماسية أمس كلاّ من السفير التركي إنان أوزيلديز الذي أعرب عن اعتقاده أنّ عودة الحريري «ستلعب دوراً إيجابياً في تمتين الحوار والاستقرار ودعم القوى العسكرية والأمنية»، والسفير المصري أشرف حمدي الذي أبدى للحريري استعداد بلاده «لتوفير كل مساعدة ممكنة للجيش والقوى الأمنية، ومساندة لبنان من أجل تحقيق استقراره».
ومساءً، استأنف الحريري لقاءاته في «بيت الوسط» فاستقبل رئيس مجلس الوزراء تمام سلام وتناول معه استكمال البحث في سبل تنفيذ الهبة السعودية، بالإضافة إلى استعراضهما الوضع العام في البلد من كافة جوانبه. ولاحقاً، استقبل الحريري قائد الجيش العماد جان قهوجي وبحث معه في سبل تنفيذ هبة خادم الحرمين لدعم الجيش والقوى الأمنية بكل ما يلزم من أجل مكافحة الإرهاب وتثبيت الأمن والاستقرار في البلاد.
الحريري التقى كذلك أمس كلاً من مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار ونائب رئيس مجلس الوزراء السابق الياس المر، وتلقى مروحة اتصالات جديدة مهنئة بالعودة أبرزها من رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون، رئيس جبهة «النضال الوطني» النائب وليد جنبلاط وشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن والسفير البابوي غبريال كاتشيا، بالإضافة إلى عدد من الوزراء والنواب. في وقت تواصلت التصريحات الرسمية والردود الشعبية المرحّبة بعودته إلى بيروت وسط تشديد رئيس كتلة «المستقبل» الرئيس فؤاد السنيورة على أنها «تحمل معها الأمل بالتحرك إلى الأمام لتجاوز الصعوبات»، وتأكيد النائب بهية الحريري أنها «بمثابة عودة الروح للنسيج الوطني اللبناني حاملاً راية لبنان أولاً والاعتدال والنهوض والتقدم وإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها».
عرسال
ميدانياً، أكملت أفواج الجيش المؤللة والراجلة انتشارها أمس في بلدة عرسال حيث سُيّرت دوريات عسكرية وأمنية في كافة أرجاء البلدة لضمان استتباب الأمن والاستقرار فيها. وأوضحت مراجع أمنية لـ«المستقبل» أنّ قوى الأمن الداخلي أعادت تسيير دورياتها بدءاً من ظهر الأمس في البلدة، وذلك بالتزامن مع إيفاد مجموعة عناصر أمنية جديدة للتمركز في فصيلة درك عرسال، مشيرةً إلى أنّ «العمل جار لإزالة الأضرار المادية التي لحقت بمبنى الفصيلة جراء تعرضه لآثار احتراق واستهداف بمختلف أنواع الأسلحة الحربية المستخدمة بالهجوم الإرهابي».
أما على صعيد مستجدات ملف العسكريين المفقودين إبان المعارك، وفي حين أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأنه تم العثور عصر أمس على «جثة جندي في الجيش كان قد استشهد في بداية المعارك في منطقة الحصن»، أوضحت المراجع الأمنية لـ«المستقبل» أنّ عدد العسكريين المفقودين يبلغ 39، 22 من الجيش و17 من القوى الأمنية»، وكشفت في ما خصّ المساعي الجارية لضمان تحريرهم من قبضة المجموعات المسلحة إثر انكفائها إلى الجبال الجردية المحيطة عن «ترقب معطيات جديدة حول العسكريين المحتجزين اليوم» مفضلةً عدم الخوض في تفاصيل أو توقعات متصلة بهذا الملف.
أوساط «المستقبل»: لا تسوية رئاسية ولقاء الحريري – نصرالله غير مطروح
نقلت أوساط تيار «المستقبل» عن الرئيس سعد الحريري قوله إن ما حصل في عرسال هو إنذار الى كل اللبنانيين وحتى الى «حزب الله» وسياسته في سورية.
واعتبرت الأوساط أن «دخول الحزب الى سورية في الأساس كان لمنع وصول المتطرفين الى لبنان، كما أعلن الحزب، لكن ما حصل كان عكس ذلك. خاضوا معركة القلمون وهم يدركون أن لا منفذ للمسلحين والمتطرفين إلا لبنان، وكأن معركة القلمون حصلت حتى يدخلوا الى هنا وكأن «حزب الله» دخل سورية للإتيان بالإرهابيين الى لبنان».
وأكد الحريري أن «دعم الجيش وقوى الأمن موقف ثابت لا رجوع عنه، وقد توقع البعض أن يكون لتيار المستقبل موقف آخر بسبب التطرف الحاصل، لكن موقف التيار هو التطرف للاعتدال، والاعتدال لا يعني غياب الموقف، بل على العكس، فالاعتدال هو الذي يحمي الإنسانية والأديان وهو سيف مسلط على كل الخارجين عن القانون وعن قبول الآخر والعيش المشترك».
وأضافت الأوساط نفسها أن ما يحصل اليوم من بعض المجموعات المتخلفة هو تشويه لصورة الإسلام بشكل مبرمج. ورأت أن لبنان سيتمكن من خلال المساعدة السعودية من بناء برنامج لمكافحة الإرهاب من خلال الحصول على الحاجات الملحّة من أسلحة وأجهزة متخصصة بمكافحة الإرهاب».
ولفتت الى أن لا جديد لدى الرئيس الحريري في شأن الانتخابات الرئاسية تقول أوساط بيت الوسط، مؤكدة أن لا فيتو لديه على أحد، ولكن الفراغ مرفوض.
واكتشفت الأوساط أن الحريري سيبدأ حواراً حول ملف الرئاسة مع كل القوى السياسية بمن فيها فريق قوى الثامن من آذار. وهو سيلتقي الرئيس نبيه بري عاجلاً أو آجلاً.
أما اللقاء مع السيد حسن نصرالله فاعتبرت أوساط «المستقبل» أنه ليس مطروحاً الآن ولأن الخلاف مع الحزب لا يزال عميقاً حول مشاركته في الحرب في سورية وما تركت هذه المشاركة من انعكاسات سلبية على لبنان، والكلام هذا ليس من باب التحدي بل من باب الواقع.
واعتبرت الأوساط أن التعاون مع «التيار الوطني الحر» قائم وكانت له إيجابيات كثيرة منها الحكومة، وتمنت أن يستمر لما فيه مصلحة البلد.
وعما يحكى عن تسوية رئاسية تقوم على تولّي العماد ميشال عون الرئاسة لنصف ولاية مقابل توليه رئاسة الحكومة، نفت أوساط «المستقبل» علمها بأي تسوية من هذا القبيل أو أي تسوية أخرى رئاسية.
وعن إمكان ترشيح الحريري عون للرئاسة، كررت الأوساط أن لا فيتو من الحريري على أحد، والأهم هو التوافق بين المسيحيين، وأن الحريري لن يتخلى عن حلفائه، مثلما لن يتخلى حلفاء عون عنه.
ونقلت الأوساط عن الحريري قوله: «نحن والحلفاء وحدة حال وسنكمل الطريق معاً».
وكان زعيم تيار «المستقبل» الرئيس الحريري تابع في اليوم الثاني لعودته الى بيروت لقاءاته في بيت الوسط، فالتقى رئيس الحكومة تمام سلام. ثم وفد مجموعة الدعم الدولي للبنان يتقدمه السفير الاميركي ديفيد هيل ونائب المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان روس ماونتن، في حضور مدير مكتب الرئيس الحريري نادر الحريري.
وشرح الحريري للمجموعة «المساعدة التي قدمها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للبنان، والاتصالات والجهود المبذولة لوضعها موضع التنفيذ العملي، لتلبية حاجات الجيش اللبناني والقوى الأمنية لتمكينها من القيام بالمهمات الملقاة على عاتقها، لمكافحة الإرهاب وترسيخ الأمن والاستقرار».
وأوضح المكتب الإعلامي للحريري انه تم البحث أيضاً خلال الاجتماع، في المساعدات التي يمكن أن تقدمها الدول المشاركة في هذا الإطار. كذلك تناول اللقاء مساعدة لبنان لتحمل الحاجات المتزايدة للنازحين السوريين، وضرورة مساعدة القرى والبلدات التي تؤويهم.
الى ذلك، تلقى الحريري امس مزيداً من اتصالات التهنئة أبرزها من رئيس «تكتل الإصلاح والتغيير» النائب ميشال عون، رئيس «جبهة النضال الوطني» النائب وليد جنبلاط، الوزير السابق الياس المر، والسفير البابوي في لبنان غبريال كاتشيا.
توافق لبناني على خطة لصرف الهبة السعودية لدعم الجيش يديرها الحريري
مصادر لـ («الشرق الأوسط»): قادة الأجهزة الأمنية شرعوا في إعداد لوائح باحتياجات مؤسساتهم
لاقى اللبنانيون سريعا مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، التي قدّم بموجبها مليار دولار لتسليح القوى العسكرية اللبنانية لدعمها في مكافحة الإرهاب بعد المواجهات التي شهدتها بلدة عرسال في شرق لبنان، فتوافق القادة الأمنيون على خطة لصرف الهبة السعودية، على أن يديرها رئيس الحكومة الأسبق زعيم تيار المستقبل سعد الحريري العائد بعد غياب قسري استمر 3 سنوات إلى لبنان.
وقالت مصادر رئيس الحكومة تمام سلام، لـ«الشرق الأوسط»، إن الاجتماع الأمني الذي عُقد في السراي الحكومي أول من أمس فور عودة الحريري، وحضره إلى جانب سلام والقادة الأمنيين، انتهى إلى «توافق على خطة لصرف الهبة تقضي بأن يُعد قادة الأجهزة لوائح باحتياجات مؤسساتهم، وهم شرعوا في ذلك، يقدمونها بعدها للوزراء المعنيين، أي وزيري الدفاع والداخلية، اللذين يعرضانها بدورهما على رئيس الحكومة، على أن تُستكمل الآلية القانونية من خلال طرح الهبة على مجلس الوزراء مجتمعا على أنّها عينية للشروع في صرفها».
وأوضحت المصادر أن الحريري سيعمد بعدها لتأمين الاحتياجات المطلوبة، كون المملكة العربية السعودية أمّنته على هبة المليار دولار، لتخصيصها لدعم القوى الأمنية والجيش في معركتهم للدفاع عن لبنان ودحر الإرهاب.
وكان الحريري أعلن خلال الاجتماع الأمني المذكور أنّه «مؤتمن على إنفاق الهبة السعودية في الوجهة المخصصة لها، وتقديمها كهبة عينية إلى الجيش والقوى الأمنية، بمتابعة الرئيس سلام ومجلس الوزراء ووفق الأصول القانونية».
ووضع الحريري أمس مجموعة الدعم الدولي للبنان، والتي تضم سفراء الدول الكبرى، في أجواء المساعدة التي قدمها الملك عبد الله بن عبد العزيز للبنان، والاتصالات والجهود المبذولة لوضعها موضع التنفيذ العملي «لتلبية حاجات الجيش اللبناني والقوى الأمنية لتمكينها من القيام بالمهام الملقاة على عاتقها، لمكافحة الإرهاب وترسيخ الأمن والاستقرار»، عارضا معهم أيضا المساعدات التي يمكن أن تقدمها دولهم هذا الإطار.
وكانت قوى «14 آذار» عقدت مساء الجمعة اجتماعا استثنائيا موسعا لها في «بيت الوسط» مقر الحريري لتهنئته بالعودة إلى بيروت، شكرت خلاله الملك عبد الله بن عبد العزيز على «التفاتته الكريمة دعما الجيش اللبناني والقوى الأمنية في معركتهم الشرسة ضد الإرهاب، والذي أوكل دولة الرئيس سعد الحريري بتنفيذ هذه المساعدة مع الحكومة اللبنانية». وطالبت هذه القوى بضبط الحدود اللبنانية السورية من خلال نشر الجيش، مدعوما بقوات الأمم المتحدة، كما يتيح القرار 1701، مشددة على أن «ضبط الحدود بكل الاتجاهات لا يكتمل إلا بانسحاب (حزب الله) الفوري من القتال الدائر في سوريا، منعا لتكرار ويلات تهدد لبنان وأمنه، كما حصل في بلدة عرسال الصامدة ومحيطها».
ولم تترك عودة الحريري آثارا مباشرة وسريعة على الملف الرئاسي اللبناني الذي لا يزال يراوح مكانه، مع دخول البلاد اليوم الـ78 من دون رئيس للجمهورية.
وخرق المراوحة على صعيد هذا الملف اتصال رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون بالحريري لتهنئته بالعودة، علما بأن التواصل بين الزعيمين قائم لكنّه تعرقل أخيرا في ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية مع إصرار عون على ترشحه وربط الحريري موقفه بقرار مسيحيي قوى 14 آذار غير المؤيدين لرئاسة عون، صاحب أكبر كتلة مسيحية في البرلمان اللبناني.
وبرز موضوع الانتخابات النيابية الواجب إتمامها قبل نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فبعدما نقل زوار رئيس المجلس النيابي نبيه بري عنه رفضه تمديد ولاية المجلس الحالي، معتبرا أن الظرف الحالي ملائم لإجراء الانتخابات في موعدها، اعتبر وزير الداخلية نهاد المشنوق في تصريح بعد لقائه بري أن الوضع الأمني يسمح بإجراء الانتخابات في موعدها «وكلنا يرى ويعيش ما يجري من تطورات أمنية من حريق في المنطقة يمتد إلى لبنان».
ويؤيد وزير الداخلية السابق مروان شربل رؤية بري للموضوع، معتبرا أن الانتخابات النيابية يجب أن تحصل في موعدها، باعتبار أن «اللجوء لخيار التمديد لا يعبّر إلا عن نية بعدم إجرائها بصرف النظر عن الأحوال الأمنية، وهي نية مرتبطة إلى حد بعيد بموضوع قانون الانتخاب الذي يبقى نقطة خلافية جوهرية بين الفرقاء». واعتبر شربل، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الوضع الأمني الحالي في كنف حكومة سلام أفضل مما كان عليه في عهد حكومة الرئيس نجيب ميقاتي»، لافتا إلى أن «70 في المائة من المشاكل الأمنية تراجعت». وقال «لا يمكن الجزم بحصول أحداث أمنية خلال العملية الانتخابية كما لا يمكن الجزم بالعكس، ولكن يمكن تنظيم هذه العملية بطريقة تقطع الطريق على المخلين بالأمن خاصة في المناطق التي تتمتع بخصوصية معينة».
ورأى شربل أن تمدد «داعش» إلى لبنان والمواجهات التي حصلت بين عناصر التنظيم والجيش اللبناني أخيرا في عرسال «ليست سببا وجيها لعدم إجراء الانتخابات، فوجود (داعش) محصور حاليا في بلدة عرسال، وبالتالي يمكن وضع صناديق الاقتراع في منطقة بعيدة عن الحدود وعن مساحات التوتر الأمني».