
ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي رتبة تكريس كنيسة “الضيعة”، التي حملت اسم “سلطانة السماوات والارض”، في ضيعة التراث “هيدا لبنان” في منطقة الزعرور، وذلك خلال قداس احتفالي ترأسه وعاونه فيه راعي ابرشية بيروت المارونية المطران بولس مطر، المطران حنا علوان ولفيف من الكهنة، بمشاركة السفير البابوي المونسينيور غابريال كاتشيا وراعي ابرشية فرنسا المارونية المطران ناصر الجميل، في حضور وزير الثقافة ريمون عريجي، الوزير السابق زياد بارود، العميد بيار صعب ممثلا قائد الجيش ومدير المخابرات، العميد جهاد حويك ممثلا المدير العام لقوى الامن الداخلي، المقدم ريمون ابو معشر ممثلا المدير العام لامن الدولة، رئيس المجلس العام الماروني الوزير السابق وديع الخازن على رأس وفد من المجلس، منسق المتن الشمالي في “القوات اللبنانية” الدكتور نبيل بو حبيب ممثلاً رئيس حزب “القوات” الدكتور سمير جعجع، رئيس “رابطة قنوبين للرسالة والتراث” نوفل الشدراوي، الامين العام للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم طوني قديسي، عضوي المؤسسة المارونية للانتشار روز الشويري وسركيس سركيس، مؤسس وصاحب ضيعة التراث “هيدا لبنان” فادي بو داغر وأفراد عائلته وحشد من الفاعليات.

بعد رتبة التكريس والانجيل، ألقى الراعي عظة رحب في بدايتها بالحضور، ثم قال: “من هذه الكنيسة التي نكرس، نعلن ونجدد إيماننا بالمسيح وبهذا الوطن العزيز، ونحن من هنا من كنيسة سلطانة السماوات والارض التي تشرف على كل ارضنا وتنفتح على السماء، نحن من جديد نكرس لقلبها لبنان ونكرس بلدان الشرق الاوسط التي فيها الحضور والوجود المسيحي يرقى الى عهد المسيح، وبخاصة في البلدان المجروحة حاليا والمتألمة بالحرب والعنف والارهاب، هذه ارض ممزوجة بالحضارة والثقافة المسيحية، منذ عهد المسيح أعلن انجيل السلام والاخوة بين الشعوب والحقيقة والحرية والعدالة، واليوم أكثر من اي يوم مضى نحن ندرك ان الوجود المسيحي هو حاجة ملحة لهذا الشرق المعذب الذي يحتاج الى انجيل الخلاص، والانجيل ليس انجيلا للمسيحيين بل هو الخبر المفرح ان الله صار انسانا لكي يوحد البشر في هذه الوحدة والمحبة وكرامة الشخص البشري والسلام بين الشعوب، فمن هذا المذبح ويا سلطانة السماوت والارض اليك نرفع قلوبنا وعقولنا ونضع بين ايديك وفي قلبك لبنان وسوريا والعراق وفلسطين ومصر، وكل هذه البلدان المشرقية، هذه الحضارات كلها على هذه الارض اكتملت بحضارة المسيح والانجيل، هذه هي أبعاد إيماننا بالمسيح ابن الله الحي”.
أضاف: “نحن مدعوون ان نجعل من كل لبنان ومن كل هذا الشرق ومن هذه القمة الجبلية مكانا نعلن فيه ايها المسيح ان لا سيد لنا سواك ولا ملك ولا زعيم ولا رئيس لنا سواك، انت هو الملك، اي انت الفادي والمخلص لكل انسان وللعالم كله، وانت وحدك تخلص عالمنا من كل شروره وحروبه وعنفه، ومن القتل والدمار، فانت حي والى الابد وانت وحدك تحمينا ومبعث رجائنا ومحبتنا. ان الكنيسة لن تقوى عليها ابواب الشر ولا سلطة لا فوق الارض ولا تحتها تستطيع ان تهدم هذه الكنيسة المبنية على الإيمان بالمسيح، هذا هو إيماننا، ويتساءلون اينتهي الحضور المسيحي في هذا الشرق، كلا، هي الكنيسة من هذا الشرق، هو المسيح من هذا الشرق، هنا يبقى وهنا انجيله ضرورة ماسة لحياة هذا الشرق المعذب، فالمسيح اتى نورا وسط ظلمات الحياة، ظلمة الحرب والعنف والخراب والدمار وظلمة كل ما يقيد الانسان ويخفف من قيمته وينتهك كرامته وحقوقه، نفكر بكل هذه الشعوب المعذبة في هذه الارض وبكل الابرياء الذين يطردون من بيوتهم وبكل النازحين وبكل الذين تدمر ممتلكات حياتهم، ونذكر كل الذين يعيشون تحت ازيز الرصاص كل يوم، لا نوم ولا راحة ولا طعام ولا مأوى ولا غذاء، نذكر اخواننا المسيحيين الذين طردوا من الموصل ومن البلدات المسيحية من قبل “داعش” واخواتها من التنظيمات الارهابية.
ومن هنا من الزعرور ومن كنيسة سلطانة السماوات والارض نقول لهم انه بالرغم من كل شيء، بكل آلامكم وبكل انتهاك لكرامتكم، بجوعكم وبمرضكم، وبعطشكم، بأطفالكم وشبانكم وبكباركم، نقول لكم جددوا إيمانكم بالمسيح الذي لم تنته قضيته يوم الجمعة على الصليب بل انتهت يوم الاحد بالقيامة، انكم ايها الاخوة المسيحيون، ايها الشعوب الابرياء الذين تطردون من بيوتكم بسبب هذه الحرب المدمرة، نقول لكم أكنتم مسيحيين أم غير مسيحيين، فالمسيح هو لكل الناس، ان آلامكم كما يقول بولس الرسول قولوها وقدموها وتتواصل من خلالها آلام يسوع من اجل خلاص العالم، من اجل حياة الكنيسة لكي تظل في عمق الظلمات، تنشر نور انجيل السلام والمحبة والحقيقة”.
وتابع: “نحن في لبنان وفي هذا الشرق ينظرون الينا ويرون في لبنان رجاءهم، يرون هذا التعايش المسيحي الاسلامي المنظم في الدستور، فيه فقط بين كل بلدان هذا العالم العربي والعالم الاسلامي يعيش المسيحيون والمسلمون بالمساواة والمشاركة المتوازنة في الحكم والادارة والكل محترم في هويته، كل هذا الشرق ينظر الينا، كله ينظر الى لبنان، لا نستطيع نحن ان نواصل العبث بوطن هو رجاء لكل هذه البلدان المشرقية، نحن هنا نجدد إيماننا بلبنان صاحب رسالة من العناية الالهية وصاحب دور كبير، وأقولها بشجاعة وبقناعة لن يعرف العالم العربي ربيعا منشودا ما لم يمر هذا الربيع من لبنان حيث المسيحيون والمسلمون يعيشون بكرامة، وحيث يحترم كل انسان في دينه وثقافته، نعم ايها الاخوة اللبنانيون، ايها المسؤولون السياسيون، ايها الشعب اللبناني، تعالوا معا نجدد إيماننا بهذا الوطن الصغير والذي قال عنه البابا القديس يوحنا بولس الثاني انه بلد صغير ولكنه صاحب رسالة كبيرة”.
وقال: “معكم نقدم هذه الذبيحة الالهية من اجل وطننا لبنان من اجل الخروج من ازمته السياسية بانتخاب رئيس للجمهورية اليم قبل الغد، من أجل الاستقرار فيه، والاقتصاد والامن، نصلي من أجل السلام في بلدان الشرق الاوسط ولا سيما تلك المتألمة بالحرب، سوريا والعراق وفلسطين، نصلي من أجل السلام في كل هذا المشرق، هو سلام المسيح والانجيل الذي يتعطش له العالم في كل حين، ومعكم نصلي على نية صاحب هذا المشروع، العزيز فادي بو داغر وشقيقيه وشقيقاته وعائلاتهم، ونذكر معكم ايضا روح الوالدين ادوار واستير اللذين من السماء يباركان ويفرحان، وهذا المشروع يستمر ويكبر لان سلطانة السماوات والارض تتعهدكم”.
وختم الراعي: “ان لبنان لم يولد اليوم ولا البارحة وهو لم يولد على يد أحد من كبار الدنيا، لبنان هو مسيرة طويلة من حضارات تراكمت على أرضه، فأنبتته كما هو، لكنه مسيرة مستمرة علينا نحن في جيلنا ان نواصل بناءها مثل بناء هذا المكان الجميل، شكرا لكل ما وضعتم في المتحف، وسنرى كل تراث البلدة والقرية التي منها شربنا هويتنا ورسالتنا، ونريد لهذا المكان ان يكون مدرسة للاجيال الطالعة، ونتذكر قولا ينبغي ان يمس ضمائر كل واحد منا، كتبه احد المفكرين: اذا شئت ان تبيد شعبا لا تقاتله، لانك اذا قتلته تساعده ليعود وينمو مثل البقدونس، اذا شئت ان تبيد شعبا أنسه تاريخه واكتب له تاريخا آخر، فلا يعرف لا حاضره ولا المستقبل. هذا ما يجري حاليا في ارضنا في لبنان، ينبغي ان نعيه، وهذا ما يجري في بلدان الشرق الاوسط، وهذا المكان يقف في وجه عدم إبادة تاريخنا اللبناني، فمريم وسيدة لبنان وسلطانة السماوات والارض تحمي وطننا وارضنا المشرقية التي أنجبتنا وتبارككم جميعا وتتعهد مسيرتنا، عاشت سطانة السماوات والارض الى الابد. عشتم وعاش لبنان”.
وفي نهاية القداس ألقى صاحب المشروع فادي بو داغر كلمة قال رحب فيها بالحضور، ثم قال: “الهدف الاساسي لبناء هذه الضيعة التراثية تحت اسم “هيدا لبنان”، هو جعل أولادنا يعيشون تقاليد جدودنا ويتمسكون بجذورنا. فبعد سفر وغربة واشتياق، اكتشفت لبنان الجغرافيا والتاريخ، ومن خلال الدراسات في الغربة، حن الحنين وصدر القرار من الاهل بلم الشمل والعودة الى لبنان والعيش فيه عالحلوة والمرة. وبعد مشاريع سياحية عدة، كبرت الفكرة وتحقق الحلم، بعزم وبركة الهية، ضيعة نموذجية لبنانية، تخبر أولادنا ومغتربينا عن لبنان الحضارة والتاريخ. كل موقع في هذه الضيعة يربطنا بجذورنا وتاريخنا”.
أضاف: “بعد بركة البطريرك الماروني أصبح لدينا في لبنان مشروع ثقافي ديني ترفيهي لنستقبل المدارس والجامعات والجمعيات وجميع الحركات الرسولية والنوادي والشركات والعائلات اللبنانية لتمضية يوم من العمر، وقريبا سيكون للافراد كل ايام السنة”.
ثم كانت جولة في أرجاء ضيعة التراث، حيث قطع الراعي وبو داغر قالبا من الحلوى وجرى تبادل الهدايا التذكارية. أعقب ذلك عشاء قروي ضمن مواقع الضيعة.