لست ممن يستسيغون تعاطي رجال الدين في السياسة، بمفهومها الحزبي التنافسي الضيّق وبما تعنيه من إدارة يومية للشأن العام ولمصالح البلاد والعباد. ولست في معرض تقييم تأثير الديانات في حياة الناس العامة والخاصة أو بحث جدلية العلاقة بين الدين والدولة ودور المؤسسات الدينية في المجتمع. فقد يبدو هذا الكلام ترفا فكريا غير مقبول في زمن المخاطر المحدقة بالوطن وبالجماعات من ناحية وجودها السياسي ومعتقدها الإيماني وهويتها وثقافتها واسلوب عيشها.
للكنيسة الحق والدور في أن تعطي التوجيه الأخلاقي والنصح الأدبي في جميع الشؤون بما فيها السياسي. وهذا ما فعلته منذ سنوات عبر “شرعة العمل السياسي في ضوء تعاليم الكنيسة وخصوصية لبنان“، وتستمر به اليوم. هناك سلّم قِيَم ومبادئ في صلب الفكر المسيحي بلورته الكنيسة عبر الأجيال من خلال مفكّريها وقدّيسيها من مار اغوسطينوس الى توما الأكويني الى الفاتيكان الثاني الى كل النتاج اللاهوتي والرسائل والتوجيهات البابوية والبطريركية. فلا ممارسة سياسية صحيحة إذا خلت من الالتزام بتلك القيَم القائمة على الحرية والعدالة والصدق والخير وقبول الآخر واحترام الطبيعة الانسانية وحقوق الأفراد والجماعات….
وعلى الكنيسة واجب الدفاع عن لبنان، لبنان الوطن والدولة والرسالة، بمسلميه ومسيحيّه. الكنيسة اللبنانية، كاثوليكية وأرثوذكسية على حد سواء، هي في أساس الكيان اللبناني التاريخي، كما في نشوء الدولة-الأمة أوائل القرن الماضي. والكيان يعني الارض والشعب، الجغرافيا والتاريخ، الهوية والحضارة.
من فينيقيا الدول-المدينة city-states ومستعمراتها في شمال افريقيا الى بطريركية يوحنا مارون في جبل لبنان الى عهد الإمارة والمتصرفية وصولًا الى دولة لبنان الكبير والجمهورية، ثمة ثابتة أكيدة: وجود كيان سياسي اسمه لبنان. تتقلص جغرافيته حيناً وتكبر حيناً آخر بيد أنه يضرب دائماً في عمق الأرض والتاريخ. لقد قام الكيان قبل نشوء الدولة والمؤسسات بشكلها القانوني والدستوري الحالي، وكانت الكنيسة على الدوام ضمانة هذا الكيان، تصونه وتدافع عنه، ترعى وتقود شعبها في الملمات، كنيسة مناضلة حتى الشهادة، معلِّمة ورائدة ومُلهِمة. هذا الكيان-الأمانة، بل هذا الإرث الكبير هو اليوم في خطر الضياع والاضمحلال.
كل محيط الكيان يغرق في مستنقعات الدم والقتل، من غزة الى سوريا الى العراق. تحجب سماءه سحب النار ويطفو دخان الفوضى والخراب لتعبق رائحة الموت والجثث المعلومة المجهولة بدل رائحة الزهر والعطر والبخور…يشهد المشرق العربي حروباً وثورات على الديكتاتوريات المذهبية والحزبية والشخصانية وتحولات في حدود دوله وشكلها. يفقد الشرق روحه وثقافته وتسامحه وتعايش اديانه وطوائفه ويحتل فكر إسلامي سلفي تكفيري مدنه ودساكره ليفرض على غير المسلمين الشروط العمرية البائدة بأبشع أشكالها؛
ويعاني الكيان داخلياً من فراغ دستوري رئاسي وشلل للمؤسسات، وركود اقتصادي وبطالة وأزمات معيشية وتربوية وبيئية وأخلاقية، وفائض ديمغرافي غريب، ووجود سلاح ميليشياوي مذهبي يمنع قيام سلطة الدولة كدولة، هو شريك في قمع الشعوب، يقاتل بأبناء طائفته خارج لبنان ويحشر نفسه بالصراع المذهبي الإقليمي المسلّح.
الكيان في خطر….ولا خلاص الا بما لنا قدرة عليه. بإمكاننا جبه المخاطر الخارجية عبر تحصين الداخل واستنفار الطاقات، وهذا لن يتم الا من خلال الإطار القانوني والدستوري المعترف به دوليا، أي الدولة ومؤسساتها. فكيف الخلاص إذا ما أضحت الدولة في حالة تحلل وشلل.
من الخطأ اعتبار موقع رئاسة الجمهورية بالنسبة للموارنة، حصة سياسية في بازار لاقتسام النفوذ. حجم المسيحيين ودورهم في لبنان اكبر بكثير من مناصفة ومثالثة وترويكا موقتة. ليست التفاهمات الثنائية هي الحامية لحقوقهم السياسية وليست الحوارات الظرفية أو التحالفات الحزبية الانتخابية هي الضامنة لها، بل الدستور والميثاق والشراكة المتساوية. لن يخضع مستقبل المسيحيين لمزاجية زعيم طموح كائناً من كان، ولا لتلكؤ تكتل نيابي عن واجبه الدستوري-الأخلاقي، ولا لممارسته الابتزاز الرخيص لفرض مرشحه بحجة ارجحية تمثيله الماروني، علماً أن غالبية أعضائه انتخِبوا بأرجحية أصوات غير الموارنة في اكثر من دائرة انتخابية.
أن يتمتع المرشح الى الرئاسة بتمثيل نيابي عريض وبحيثية شعبية، هو قيمة مضافة لمواصفات شخص الرئيس إنما ليس شرطاً مسبقاً ومعرقلاً لانتخاب أي شخصية أخرى كفوءة وقديرة. لم يأتِ كميل شمعون وفؤاد شهاب وشارل حلو وسليمان فرنجية والياس سركيس وميشال سليمان من قاعدة حزبية مسيحية عريضة، بيد أنهم أثبتوا أنفسهم كرجال دولة وتحول البعض منهم الى زعماء تكتلات نيابية وشعبية. ثم ألم يعد بإمكان الموارنة والمسيحيين الإجماع على شخصية تحظى بإجماع البطريركية والأحزاب وقادة الرأي، لتعتلي المقام الأول؟؟
من الظلم أخذ السياسي العاقل والحكيم بجريرة المكابر والمتهوِّر. فمن يدعو يوميا الى معركة ديمقراطية والى التئام نصاب المجلس النيابي لهذه الغاية هو غير من يقاطع ويُعطّل. إذ لم يحدث في تاريخ الجمهورية أن وقف زعيم سياسي قائلا أنا أو الفراغ، أنا ومن بعدي الطوفان، وصولا الى تدمير الذات والجماعة. وإذا كان الترشّح الى موقع الرئاسة أمر ديمقراطي وطبيعي ومطلوب فإن قمة النبل والمسؤولية أن يبدي مرشّحاً انفتاحه على كل الحلول بما فيها انسحابه من السباق.
لم يكن يملك البابا يوحنا بولس الثاني مدافع ودبابات يوم وقف في قلب وارسو وأعطى الأمل لكل الشعوب المقهورة خلف الستار الحديدي صارخاً: ”لا تخافوا“. ويوم طلب البطريرك نصرالله بطرس صفير من الجيش السوري مغادرة لبنان، لم يستلهم سوى تضحيات أسلافه العظام وأنوار الثبات والصلابة والإيمان المشعّة أبداً في قنوبين وايليج ويانوح وكفيفان وعنّايا وكل تلال الجبل المكلل بصلبان الخلاص وأضرحة القديسين والشهداء.
جمهورية الكيان في خطر، ومجد الكيان كلّه في عصا يحملها من أعطي له هذا المجد.
إرفعها سيّدي دفاعا عن مستقبل الكيان، إرفعها واضرب بها تأنيباً للمخالفين ونصرةً للصالحين.
أضرب بها الكذٓبة والوصوليّين والمرّآئين.
ارفعها بيُسراك وبارِك شعبك الجائع بيُمناك.
أشبِعنا سيّدي من خبز الحق والحرية والمحبة والإيمان “وأعطِنا منه دائماً وأبدا“.
* قيادي في حزب القوات اللبنانية