«صلاح أمرك للأخلاق مرجعه فقوّم النفس بالأخلاق تستقم والنفس من خيرها في خير عافيةٍ والنفس من شرّها في مرتعٍ وخم وإن تقدّم ذو تقوى بصالحة قدمت بين يديه عبرة الندم» أحمد شوقي
استوقفتني سيدة طرابلسية تملك متجراً لبيع الملابس البارحة قائلة: «تعلم أنني لا أهتم كثيراً للسياسة، وكل ما يهمني هو أن يكون الشغل ماشي، لكن أريد أن أقول لك إنه منذ أن علمت الناس أن سعد الحريري عاد إلى لبنان عادت الحركة إلى متاجرنا كأنه اليوم الذي يسبق العيد«.
ظاهرة غريبة ولا شك، فكيف يكون لشخص واحد هذا القدر من التأثير على مزاج الناس في بلد بأكمله، فمنذ اللحظة الأولى لإعلان خبر وجود سعد الحريري في السرايا الحكومية أصبحت الابتسامة عنواناً للوجوه التي قابلتها وكل يهنئ بالسلامة ويدعو له بحماية الله.
وحتى مَن هو ضد سعد الحريري في السياسة، فقد تفاءل بالخير بأن الحلول لا بد آتية على الأقل لجزءٍ من الأزمات التي يعيشها مَن هم مع أو ضد سعد الحريري.
بالطبع هذا لا يشمل أصحاب العقول المتحجّرة والقلوب الفاحمة الذين لا يقتاتون إلا على الخراب والدمار وعلى جثث الضحايا، هؤلاء الذين يعتقدون بأن الحلول لا تأتي إلا بالعنف والإكراه، وأن قطع الأيدي وقطع الرؤوس وحكم الإرهاب هي الوسائل الأسهل للتخلص من الإشكالات. إنهم ببساطة جموع الداعشيين من سنّة وشيعة وحتى مسيحيين ممن راحوا يحرضون الجيش على عرسال من جهة ويحرّضون عرسال على الجيش من جهة أخرى، هم ذاتهم، وإن كانوا من طوائف مختلفة. داعشيون في العقلية والمنطق وفي روحهم وقلوبهم، ولا فرق إن كان سلاحهم الذبح وقطع الرؤوس، أو كان البراميل المتفجرة والغازات السامة أو أسلحة الدمار الشامل، ولا فرق إن كانت التهمة هي الكافر والمرتد أو العميل الفاقد الحس القومي، فكلها ظلمات تقود إلى مكان واحد عنوانه إلغاء الآخر.
أما معظم الناس فميلهم الطبيعي هو نحو الاستقرار والتسويات التي تؤدي إلى السلام وتحبس الدم وتعطي فرصة للأمل لتعود الابتسامة على وجوه النساء لأن أزواجهن وأبناءهن لن يعودوا إليهن في صناديق خشبية قبل أوانهم.
معظم الناس مقتنعون بأن وراء عودة سعد الحريري صفقة ما، أو تسوية ما، وحتى إن البعض تحدّث عن مؤامرة، ولكن العاقل يعلم أن الحلول الحاسمة ليست بيد سعد الحريري وحده فهي تحتاج إلى اقتناع أصحاب المشاريع الانتحارية والأحلام بالنصر والاعتماد على الأساطير بأن التواضع هو السبيل إلى إيجاد الحلول الممكنة.
سعد الحريري عاد اليوم إلى بيته، لم يطلب إذناً من أحد، ولا أتى ملتمساً الحماية ممن غدروا بوالده سابقاً وغدروا بأصدقائه ورفاقه، لكنه كما كان رفيق الحريري قبله، لم يتمكّن من تجاهل واجبه نحو بلده ومواطنيه وأتى على الرغم من المخاطر للبحث عن حلول تعيد الأمل إلى الناس.
المفارقة هي أنه في وقت يظهر زعماء كاريزميون ومحبوبون ليفعلوا أو يقولوا، فيتحضّر أنصارهم للمزيد من الدم والدمار والوعود بالحروب والصراعات، يعود سعد الحريري إلى لبنان فيتفاءل حتى من يكرهونه بالسلم والاستقرار.
سعد الحريري يكفي أن عودتك أعادت إلى الناس الابتسام، إنها فعلاً وجوه وأعتاب، إنه فعلاً الأمل الذي لا يعرف طريقه إلا من خلال أصحاب النيات الخيرة.
()عضو المكتب السياسي في «تيار المستقبل