قبل أن يُغادر الرئيس سعد الحريري إلى جدّة أمس لإجراء مشاورات مع القيادة السعودية لوضع هبة المليار دولار الجديدة موضع التنفيذ، كان قد استغربَ تحميلَ عودته إلى بيروت أكثر ممّا تتحمّل. فالملفّات الكبرى وخصوصاً انتخاب رئيس جديد للجمهورية عالقةٌ في شباك أحداث المنطقة. ما الذي قاد إلى هذه النتيجة؟
رأى مقرّبون من الحريري أنّ بناء سيناريوهات كثيرة واكبَت هذه العودة ليس في محَلّه إطلاقاً، وقد استشعروا في البعض منها نيّات خبيثة عبَّر عنها مطلقوها ومسرّبوها، وخصوصاً تلك التي أَوحت الى اللبنانيين بأنّ عودته ستقفل الملفات العالقة ومنها انتخاب رئيس جديد للجمهورية، «فهل كان مفتاح القاعة العامّة في مجلس النواب في جيبه؟» وهل كان هو «من يحتجز نواب «8 آذار» ويمنعهم من تأمين النصاب الدستوري في جلسات الإنتخاب العشر التي عُقدت حتى الأمس القريب!؟».
بهذه العبارات – المنقولة بتصرّف عنه – كان الحريري يجيب على السيناريوهات التي استعرضها مع من التقاهم. ويقول زوّاره إنّه كاشفَ أصدقاءَه بكلام كثير لم يُنشَر بعد.
فهو عبَّر عن مخاوفه وقلقِه على مستقبل العلاقات بين اللبنانيّين عندما تبلّغ بالهجوم المبرمَج على عرسال، في وقتٍ كان يراقب تطوّرات سوريا والعراق متخوّفاً من تردّداتها على لبنان، وخصوصاً لو اكتملت فصول ما تداولت بها أوساطٌ عليمة بما حصل في عرسال وأهدافه، على رغم اطمئنانه الى حجم الضمانات الدولية التي وضَعت لبنان خارج جحيم النيران المندلعة في المنطقة.
لقد كان الحريري ومعه فريق عمله على اتّصال شبه يومي مع العديد من «الطبّاخين» وممَّن كُلّفوا البحث في المخارج – الحلول المقترحة لملفّات المنطقة من العراق الى فلسطين وصولاً إلى التطوّرات المأسوية في ليبيا. والجميع مقتنع بأنّ ما شهدته هذه البلدان هو في أوّل سلّم أولويات الإهتمامات الدولية ومن الأحداث التي تستحقّ العناية الفائقة كلّ ساعة.
وفي اعتقاده أنّ الجمود سيطر أخيراً على السيناريوهات الخاصة بسوريا في ظلّ الستاتيكو القائم في غياب أيّ مفاجآت، وكذلك الأمر بالنسبة الى لبنان الذي وُضع في برّاد الأزمات الى حين، ما خلا الإهتمام بأمن البلد والحدّ الأدنى من الإستقرار، وهي مهمّة أنيطت بسفراء العالم في بيروت وموظّفي الدرجة الثانية والثالثة.
فأحداث العراق قبل غزّة وبعدها تجاوزَت الجميع، وخصوصاً عندما لامسَت هجمات الدولة الإسلامية في العراق وسوريا والمجازر التي ارتكبتها في منطقة كردستان العراق، تزامُناً مع أخطر الأزمات الدستورية التي تعيشها بغداد في ظلّ عناد رئيس الحكومة نوري المالكي على الإحتفاظ بالسلطة لولاية ثالثة مُهدّداً باستخدام الجيش في المعركة السياسية، وهو ما كان أمراً مقدّراً لولا الضغوط الدولية التي واكبَت قرار الرئيس العراقي الجديد بتكليف نائب رئيس مجلس النواب حيدر العبادي مهمة تأليف الحكومة الجديدة.
ولذلك، قد تعطي الأسابيع القليلة المقبلة مؤشّرات أوضح لمقاربة جديدة للإستحقاق الرئاسي، لكن ما هو واضح اليوم أنّ الحريري لن يلتقي أحداً من «حزب الله» ولا رئيس تكتّل «التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون، فإن لم يأتِ اللقاء بمخرج يؤدّي الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية فلن يكون ضرورياً.
فتجربة النائب وليد جنبلاط أعطته ما يكفي من مؤشّرات إلى صعوبة الخروج من المأزق، حتى إنّه تبَلّغ من جنبلاط تجميدَ حركته الأخيرة التي كان من المقرّر أن تشمل بعد الضاحية الجنوبية والرابية، معراب وبكفيا إلى حين.
ويختم زوّار الحريري أنّ الأولوية اليوم تكمن في التمديد لمجلس النوّاب وهو كأس مرّة سيشربها الجميع بلا مكابرة، أيّاً كانت المواقف المعلَنة، لكن ما يقلقه أن يُفسّر الأمر في أوساط بكركي والمسيحيين عند البحث في التمديد لعامين ونصف العام، أنّ ملفّ انتخاب رئيس الجمهورية مؤجّل الى تلك المهلة، لكنّه استدرك أمام أحد أصدقائه فقال: إنْ نجحنا في انتخاب الرئيس يمكننا بعد ذلك تقصير ولاية المجلس لإجراء الانتخابات النيابية متى كانت متاحة.
