كانت شعوب تلك الدول تسعى إلى الاستقرار بعد حرب مدمرة، وكانت تضع نصب أعينها تركيز قواعد أنظمة ديموقراطية تؤمن تداول السلطات وتضمن النمو والازدهار وحقوق الإنسان وتمحو ذاكرة الحرب والنزاعات من الذاكرة الاجتماعية مما جعلها تقف، مع تباين توجهاتها السياسية، صفاً واحداً مع حكوماتها في مواجهة الإرهاب.
أما في شرقنا العربي، فقد وقع المواطن، منذ نشأة كياناته السياسية، أسيراً بين إرهابين. من جهة إرهاب ما كنا نسميه «العصابات الصهيونية»، ومن جهة أخرى إرهاب مجموعة من العصابات التي استولت على السلطة في كياناتنا، فطحنت المواطن العربي بين إرهابين متقاطعين في أسباب الوجود والمصالح! فالعصابات الصهيونية تحولت إلى «النظام الديموقراطي الوحيد في الشرق الأوسط الذي يواجه بحراً من الأنظمة الديكتاتورية القمعية التي تقتل وتبطش بشعوبها، فكيف ستفعل باليهود المظلومين إن انتصرت عليهم!». وفي المقابل فقد سوغت أنظمتنا عنفها وتجبرها وغياب التنمية وغياب الحقوق وكثرة السجون والمعتقلات وأنظمة الطوارئ بحجة «تحضيرها للمعركة مع العدو الصهيوني«.
اليوم أصبحت دولة العصابات الصهيونية في مكان آخر، ولولا بعض المناسبات الدموية كالذي يحدث في غزة اليوم، لنسي المواطن العربي ونسيت الأنظمة وجودها كتهديد وكعدو. العدو الآن هو التطرف، وهو نفسه الذي صنعته واستخدمته هذه الأنظمة لأسباب مختلفة لتبرير وجودها. المعادلة العبقرية اليوم هي إما الإرهاب المنظم تحت سلطة معروفة وموحدة وهي الأنظمة القمعية ذاتها، أو الإرهاب الأعمى المتمثل اليوم بداعش وأشباهها.
قد يكون الإختيار المنطقي هو أهون الشرين، أي الإرهاب المنظم، ولكن ألم يخطر ببال أحد خيار ثالث وهو خيار الحرية والحقوق للناس، خيار تداول السلطات وهي الخيارات الوحيدة التي تقضي على التطرفين الإرهابيين أي الأنظمة المتسلطة والعصابات الداعشية.
() عضو المكتب السياسي في «تيار المستقبل»