رأس الميثاقية و”الداعشية” العونية

 “الداعشية” ظاهرة عنفية “مفبركة” لا مقومات حياة لها مهما طال أمدها، ولكنها قادرة في الوقت الضائع قبل زوالها على إحداث متغيرات في المشهد العام قد يصعب لاحقاً التخلص من رواسبها، وهذا ما يحصل تحديداً مع مسيحيي العراق ولا يمكن أن يحصل مع مسيحيي لبنان لأسباب عدة أبرزها طبيعة تاريخهم المقاوم والعوامل التي يمتلكونها للتصدي لهكذا ظواهر ليست بجديدة عليهم. ولن يبقى مع الزمن من “الداعشية” الا المصطلح الذي سيدخل قاموس البشر كمرادف لـ”الذهنية التخوينية والممارسة الإلغائية”، وإلا الصورة، صورة “حطابي الرؤوس” في القرن الواحد والعشرين.

هذا التوصيف لـ”الداعشية” ينطبق تماماً على الحال العونية، أكان من حيث الذهنية التخوينية منذ “بيت الشعب” في العام 1988 وتخوين كل من لا يبصم للجنرال ميشال عون على مغامراته، ثم يبايعه في رفضه لـ”إتفاق الطائف” لأنه لم يؤمن جواز عبور له الى قصر بعبدا – وهذه الذهنية المستمرة حتى يومنا هذا – أو من حيث الممارسات الإلغائية التي أخذت طابعاً دموياً في حربي الالغاء الاولى في 14 شباط 1989 والالغاء الثانية في 31 كانون الثاني 1990، ثم سياسياً وإعلامياً في ما بعد، وتأخذ اليوم طابعاً وجودياً دستورياً عبر طرح إنتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب.

حتى مشهد قطع الرؤوس، تطمح اليه “الداعشية” العونية عبر طرحها الذي يشكل قطعاً لرأس الميثاقية في لبنان. نعم، في خضم غليان الدم والبارود في المنطقة وعصف المذهبية، يطل العونيون ببدعتهم هذه غير آبهين بالميثاقية، مغامرين لا بل مقامرين بالموقع المسيحي الاول في لبنان والشرق.

همجية “الداعش” تضرب أولاً صورة بيئتها السنية وتحاول تشويهها، وعنفها لا يقتصر على المسيحيين واليازيديين والشيعة فحسب بل حتى على السنة حيث لم ترتدع حتى عن تفجير جوامعهم. وجموح العونيين يدفعهم الى تفجير هيكل الدستور وقدس اقداس النموذج اللبناني ألا وهو “الميثاقية”.

يزايد العونيون في قلقهم على المسيحية المشرقية، ويتنطحون للدافع “كلامياً” عن مسيحيي لبنان ويسعون الى زجهم في منظومة “حلف الاقليات” التي طالما سعى نظام الاسد الاب الى الترويج لها والى رميهم في أحضانها، ولطالما تصدينا لها إنطلاقاً من إيماننا بان المسيحية رسالة إنفتاح على جميع المكونات وأن التسلح بالقانون والاحتكام الى منظومة دولة المؤسسات هما الضمانة، وليس الدخول في مستنقع الصراعات المذهبية عبر الاصطفاف في “حلف أقليات”.

كلما يزايد العونيون مسيحياً، تعود بي الذاكرة الى مرحلة ما قبل العام 2005 حيث كانوا ينظرون إلينا بإزدراء من موقعهم كتيار يدعي العلمانية ويعيبون علينا النفس المسيحي في خطابنا والقائم على ان لبنان بلد التعددية، وان حفظ خصوصية المسيحيين هو مرادف لحفظ خصوصية المسلمين فيه، وهذه الثنائية القائمة على الاعتراف بالآخر كما هو والقبول بالاختلاف وتحويله الى تفاعل حضاري وعمل غنى.

إنتخاب رئيس من الشعب في ظل تصاعد الشعور المذهبي، ضرب من ضروب المتاجرة بمصير الجماعة في سبيل “الأنا”. وهو أخطر من المثالثة، لأنه يطلق العنان لـ”العداد المذهبي” ديمغرافياً وينسف الاتفاق على وقف العد الذي كرسته صيغة الطائف.

إن عدم تأييدنا لهذا الطرح ليس خوفاً من حجمنا وإنتشارنا على مساحة الوطن أو من قرار الشعب، بل لأنه يشكل سابقة قد يبنى عليها لضرب “الميثاقية”.

والحديث عن جولتين، في الاولى ينتخب المسيحيون شخصياً وفي الثانية يشارك المسلمون، ليس سوى ذر الرماد بالعيون، فإن حصل عون على 70% من أصوات المسيحيين في الجولة الاولى وحصل منافسه على 30 في %، وفي الجولة الثانية صبّت أصوات المسلمين لمصلحة من حل في المرتبة الثانية، فحصل هذا الاخير على أكثرية الاصوات وفاز برئاسة البلاد، فهل بهذه الآلية الانتخابية نؤمن صحة تمثيل المسيحيين؟!

إنتخاب رئيس من الشعب يشرع أبواب قصر بعبدا لنموذج شبيه بطليع دورة العام 2009 نائب المئة وتسعة آلاف صوت الذي يمكن إستبداله بأي إسم آخر ويبقى طليعياً بأصوات غير المسيحيين.

إنتخاب رئيس من الشعب قد يحيي نموذج “الحلف الرباعي”. إنتخاب رئيس من الشعب هو “آخر خرطوشة” يطلقها عون لتحقيق حلمه بكرسي بعبدا بعدما تبين له أن حلفاءه حتى لا يريدونه رئيساً.

إنتخاب رئيس من الشعب براءة ذمة لجنرال “13 تشرين” تؤكد ان شؤون وشجون المسيحيين ووجودهم لا تعنيه ولم تعنه يوماً.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل