كتبت ناتالي اقليموس في “الجمهورية”:
لم يكد ملفّ متعاقدي الجامعة اللبنانية يبلغ خواتيمَه السعيدة، بعدما وافق مجلس الوزراء على 1213 مرشّحاً، حتى ارتفعَت أصوات الأساتذة المتعاقدين، المستحقّين، المستثنين من التفرّغ. “رحنا فرق عملة”، “ناس عَ حساب ناس”، “وَين حقّن بالتفرّغ؟”… وغيرها من ردود الفعل التي تتفاعل من تحرّك إلى آخر، وآخرُها ما شهدَه مجمّع الجامعة اللبنانية في الحدث، أمس.
“هذا التحرّك ليس الأوّل ولن يكون الأخير”. بنبرةٍ حاسمة لا تخلو من حرقة القلب، تتحدّث الدكتورة حنان أخضر إلى “الجمهورية”، بعدما أمضت 5 أعوام تُدرِّس في كلّية العلوم الفرع الخامس، ولم تدَع تحرّكاً يَعتب عليها، لتطالب بالتفرّغ. والنتيجة؟ “على الأرض يا حَكم”، على حدّ تعبيرها.
أمّا عن أسباب استثنائها من التفرّغ، فتقول حنان: “ربّما لأنّني لست مُسيَّسة في الدرجة الأولى، دخلتُ الجامعة أكاديميّاً، وسمعنا مراراً بضرورة إجراء وساطة لضمان تمرير الاسم، ولكن ما جعَلنا نتفاءل هو كلام المعنيّين تحديداً عن أنّ معيار الاختيار أكاديمي صرف، ولن يكون هناك مظلومون”.
دوّامة مفرَغة
ولكن ما إنْ بدأت تسريبات أسماء الأساتذة المتفرّغين تتناقل على “الواتس اب”، حتى تبيَّن لحنان وغيرها من الأساتذة أنّ الحقيقة تختلف عمّا سمعوه، وقد شهدَ ربعُ الساعة الأخير “إسقاطاً لأسماء على حساب أخرى”. فتقول حنان متأسّفة: “الأسماء المحسوبة على طرف سياسيّ قد أبلِغت شخصياً بأنّها من بين الذين تفرّغوا، أمّا غير التابعين لأحد فوقعَ الخبر عليهم كالصاعقة”.
حنان وغيرها من الأساتذة المستثنين من التفرّغ، قصدوا المعنيّين في هذا الملف… فتُخبر: “تحدّثنا إلى وزير التربية الياس بوصعب الذي وجَّهَنا إلى رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور عدنان السيّد حسين، الذي بدوره وجَّه كلّاً منّا إلى مدير كلّيته، لنجدَ أنفسَنا ندور في حلقة مفرَغة”.
وتضيف: “المؤسف أنّ رئاسة الجامعة قد رفعَت 916 إسماً، وتمّ تفريغ 1213، بإضافة نحو 297 إسماً كضريبة وتنفيعات سياسية. لا شكّ في أنّ لكلّ ملفّ شوائبُه، فنحن لا نعيش في المدينة الفاضلة، ولكنْ “مش عَ حسابنا”… لذا لم نجد حلّاً سوى التحرّك إعلاميّاً”.
أكثر ما يُقلق حنان ومَن سقطت أسماؤهم (على رغم رفعِها من كلّياتهم)، “أن يعيدَ السياسيون لعبتَهم في حال الموافقة على المضيّ بملحق أسماء جديدة للتفرّغ، ويضيفوا أسماءً تخصّهم كانوا قد عجزوا عن تمريرها في التفرّغ الأخير”.
أذى معنوي…
من جهته، يتوقّف الدكتور هيثم طرابلسي، وهو مُدرّس في كلّية الزراعة، عند الأذى المعنوي الذي طاوَل مَن لم يلحقهم التفرّغ، ليسأل: “بأيّ وضع نفسيّ سندخل إلى قاعات التدريس بعد تفريغ أساتذة أقلّ كفاية؟ أليست هذه إهانة لنا في أعين طلّابنا؟”. ويسأل عبر “الجمهورية”: “كيف سأعرف أسبابَ عدم تفرّغ إسمي على رغم أنّني أدرِّس منذ 5 أعوام، وأُعدّ الأبحاث؟ هل كان عليّ أن أنتمي إلى حلف سياسيّ محدَّد لأضمنَ تفرّغي؟”.
ويلفت هيثم إلى هاجس مشترك لدى المستثنين، فيقول: “لا شكّ في أنّنا مهدّدون بأن نخسر وظيفتنا، فالأولوية ستكون للمتفرّغين، ولم يكن ينقص سوى الأسماء الملحَقة سياسياً حتى تزيدَ الطين بلّة وتُقلّصَ من فرَص استيعاب الجامعات للمتعاقدين بالساعة”، مشيراً إلى أنّه لم يتقاضَ راتبَه منذ أكثر من عامين.
مِن المتفرّغين ولكن…
تؤكّد الدكتورة ميرفت بلوط عضو لجنة الأساتذة المتفرّغين حديثاً، (من المتعاقدين سابقاً)، أنّ تحرّك الأساتذة للمطالبة بالتفرّغ لن يتوقّف، قائلةً: “لا نميّز أنفسَنا عن الأساتذة المتعاقدين، فهم زملاؤنا، وبالتأكيد سنعاود تحرّكنا في شهر أيلول المقبل إلى جانبهم، لأنّ الأساتذة جسمٌ واحد، والتفرّغ قضية لا تموت”.
وتضيف: “معاً وقفنا جنباً إلى جنب لنطالب بحقّنا، إسترحنا قليلاً لنلتقط أنفاسنا بعد مسيرة طويلة من النضال، ولكن لن نهدأ، الجامعة تحتاج إلينا وإلى الأكفياء الذين لم يشملهم التفرّغ لسبب أو لآخر”. لا تنكر بلوط “أنّ لكلّ ملف نسبة محدّدة من الخروق”، إلّا أنّها تفضّل “التريّث” في معرفة حجم التدخّل السياسي الذي شاب ملفّ التفرّغ، ريثما تتبلوَر صورة العام الجامعي الجديد.
تحرّك متواصل
وكان قد شهدَ حرَم الجامعة اللبنانية – مجمّع الحدث تحرّكاً للأساتذة المتعاقدين المستثنين من التفرّغ، شدّدوا خلاله على أنّه “لا يعرف طعمَ الظلم ولا يُدرك مضمونَه إلّا مَن وقع عليه الغبنُ وخبرُ التعاطي اللإنساني واللاوطني واللامسؤول مع قضايا تمسّ الكرامة الإنسانية”.
وطلب الأساتذة في بيان من “كلّ مسؤول وضعَ نفسِه في موقف أستاذ مستحقّ، وعيشَ تجربة الظلم وتأثيرها على تطلعاته المستقبلية التي تهشَّمت باليأس والإحباط، ولم تنفعها الوعود بالفرَص المستقبلية التي لا تُبرّئ علّة من العلل النفسية والوطنية”، معتبرين أنّه “لا يمكن لأيّ مسؤول ادّعاءَ البراءة من الجرم، فالجميع شريك فيه، وكلّ مَن وافَق على تفرّغ مَن لا يستحقّ عليه أن ينصف المستحقّين، والرغبة في إنصافهم يجب أن تكون بالقدر نفسِه، إنْ لم نقل أكثر من الرغبة في الاعتداء على حقوقهم بأسماء من هنا وبتبريرات من هناك”.