كان ملفتاً أن نقرأ الأسبوع الماضي، خبرين في يوم واحد، عن ضبط شبكتين لاتباع «داعش» في الجزائر وماليزيا. والملفت أكثر، أن تضم الشبكتان رجالاً ونساء، لا يزال يجذبهم التنظيم على رغم ارتكابات فظيعة تجلى آخرها بفيديو نشره قبل يومين لقطع رأس الصحافي الأميركي جيمس فولي، الذي أفلت من قبضة «كتائب القذافي» في ليبيا عام 2011 ووقع في قبضة التشدد في سورية في العام التالي.
وسربت مصادر أمنية جزائرية الثلثاء الماضي، معلومات عن وقوف خلية لـ «داعش» وراء تهريب 200 سوري، بينهم نساء وأطفال، إلى الجزائر عبر تركيا، استعداداً لنقلهم سراً إلى ليبيا ليبحروا منها في اتجاه الشواطئ الأوروبية. وأرفقت الأجهزة الجزائرية ذلك بمعلومات عن ضبط هواتف باهظة الثمن تعمل عبر الأقمار الاصطناعية وأجهزة تحديد مواقع ومبالغ بالعملات الصعبة قدرت بنحو مئة ألف دولار، في حوزة الموقوفين الذين ثارت الشبهات حولهم «بعد نزولهم في فنادق فاخرة وإنفاقهم ببذخ»، ما يوحي بأنهم ليسوا مجرد طالبي لجوء.
في اليوم ذاته، أعلنت أجهزة مكافحة الإرهاب الماليزية اعتقال شبكة من 19 فرداً، تضم «مهنيين محترفين وربتي منزل»، كانوا يعتزمون التوجه إلى سورية لتلقي «دروس» لدى «داعش» بهدف إقامة «دولة خلافة» تشمل ماليزيا وإندونيسيا وتايلاند والفيليبين وسنغافورة. كما كانوا يخططون لتفجير حانات ومراقص ومصنع للخمور.
ليس غريباً أن يأتي هذا الحادث في ماليزيا التي اعتقلت مشبوهين بالتهم ذاتها أخيراً، إذ لطالما لقيت الدعوات المتشددة تجاوباً في جنوب شرقي آسيا، يستدل عليه بإعلان «الجماعة الإسلامية» الأقوى في تلك المنطقة بزعامة رجل الدين الأندونيسي أبو بكر باعشير، مبايعتها «دولة الخلافة في العراق والشام».
لكن المستغرب هو تلك المؤشرات إلى سرعة تمدد التنظيم حتى وصل أتباعه إلى دول الغرب حيث شكلوا ظاهرة باتت تعرف بـ «العائدين من سورية»، فيما تدور تساؤلات عبر عنها قياديون أصوليون أخيراً، عن مغزى صمت زعيم «القاعدة» أيمن الظواهري عن تنامي سطوة «داعش»، على رغم معلومات تسربت أخيراً عن معارضة شديدة كان أبداها أسامة بن لادن، حيال نهج «الدولة» وأساليبها، ما يثير تكهنات بعجز الظواهري عن السيطرة على هذا المد الذي حظي بمبايعات من مجموعات متشددة في آسيا وشمال أفريقيا وغربها وصولاً إلى نيجيريا.
وقد يكون هذا التمدد لظاهرة «الدولة» في أوساط قواعد تحولت من تعاطفها مع «القاعدة» إلى الولاء لـ «داعش»، وراء تقديرات تبدو مبالغة أحياناً، لعدد مقاتلي التنظيم في سورية والعراق. وبعدما كان خبراء دوليون قدروا أعداد هؤلاء بما لا يتجاوز البضعة آلاف، باتت أوساط في المعارضة السورية تقدرهم بخمسين ألفاً، من المقاتلين، ناهيك عن الأنصار والمتعاطفين.
والمفارقة أن هذا التمدد يترافق مع كلام خبراء عسكريين عن انحسار قدرات «داعش» العسكرية في معقله في بلاد الرافدين، ما اضطر «أميره» أبو بكر البغدادي إلى الفرار نحو سورية، وأيضاً كلام الخبراء أنفسهم عن أن ضعف قدرات التنظيم يدفع مقاتليه إلى التخلي عن السيطرة على الأرض عندما يواجهون بهجمات، واعتمادهم أسلوب الكر والفر.
هذا كله يدعو إلى التساؤل عما إذا كان «داعش» في طريقه إلى التحول «مظلة» ومرجعية لمجموعات متشددة حول العالم، تماماً كما كانت «القاعدة» من قبل، أو «ظاهرة هلامية»، تنسب إليها ارتكابات وجرائم تتبرأ منها كل الأديان.