
في ظل ازمة الهوية وفي عين العاصفة، وفيما نحن نشاهد ما يجري في المنطقة، خصوصاً ما يصيب الأقليات بشكل عام والوجود المسيحي المشرقي بشكل خاص، يحتار المتابع للواقع السياسي اللبناني من موقف التيار العوني تجاه موضوعان أساسيان الا وهما ضبط الحدود اللبنانية وممارسة الحياد الحقيقي تجاه العواصف التي تضرب دول الجوار، والموقف من الإنتخابات الرئاسية اللبنانية التي هي أهم استحقاق مسيحي عربي في المنطقة.
في الإستحقاق الرئاسي، وإن كان الأولى أن يشار إلى قوى الثامن من آذار وعلى رأسهم حزب الله وباقي القوى في التعطيل، فإن التيار وعلى قاعدة تصدره الواجهة في المواجهة فكان الأولى بنا أن نشيرَ إليه قبل غيره، فإن التغييريين هم الذين يكشفون أوراقهم وخططهم لوصول زعيمهم الجنرال عون إلى الرئاسة، محاطين بفريق من السياسيين يدافعون اليوم بشراسة مذهبية وطائفية عن التركيبة النيابية والرئاسية في حين أنهم كانوا عرابين أساسيين لهذه التركيبة في العهود الماضية. ولا مجال اليوم للدخول في هذا النقاش والكل يعرف ما أقصد وما الصرخة الأخيرة في صفوف التيار إلا وقفة محقة في هذا الإطار…
كما يحتار المتابع، سياسي أو إعلامي، قانوني أو مواطن عادي، من هذا التصعيد المطلبي في ملف الرئاسة، إنطلاقاً من حجة الرئيس القوي وصولاً إلى التغيير الدستوري، والنظام، والعرف. ونفتح الباب علينا كمسيحيين إلى النقاش بدستورية العرف في ديانات الرؤساء الثلاث. ونحن بغنى عنها مادام أن المناصفةَ أساسٌ للحياة السياسية اللبنانية، ومن دونها عقبات تُحلُّ بالسياسة وبالإحتكام إلى الدستور في المهل والإستحقاقات الوطنية…
وهذه الأسس، انقلب عليها من تحجج بفلسفة الرئيس القوي وقاطع الجلسات وطيّر النصاب، وخالف النص الصريح، متذرِّعاً بالتأويل والإجتهاد…
ولكن الذي استوقفني أكثر من غيره في الإقتراح الرئاسي، قبل النقاش بأحقيته، سؤال أوجهه إلى الزملاء النواب في التيار: أ أنتم على قناعة تامة أنَّ ما تطرحونه يلائمه الواقع السياسي القائم، بالشكل والتوقيت؟ أم أنَّ ما تقومون به، عملياً، يريد حرف أنظار الرأي العام عن تعطيلكم،لأنّ هدفكم الأخير هو التمسّك بسياسة “أنا او لا أحد”؟
ولو سلّمنا جدلاً بمصلحة المسيحيين في التعديل، عندها ماذا نسمي النظام في لبنان، نظام هجين رئاسي على نيابي على طائفي مختلط؟ وهل يمكن في هذه الظروف الصعبة التي يتحدثون فيها عن التقسيم ويتم فعلاً الترحيل والتهجير من العراق إلى سوريا، ولبنان، وخطر الأصوليات المتشددة في وجهنا جميعاً أن يمرّ هذا المشروع؟
اننا نهرب إلى الأمام، بحجة التبرير على التعطيل إلى حجة الرئاسة القوية وندغدغ الشارع المسيحي بأن حماة الشرق هم في قلاع الرابية ولهم الأحقية في قصر بعبدا، ومن دونهم المسيحية في خطر والمسيحيون في قلق والمشرقيون العرب ينتظرون حتى يصل الجنرال إلى بعبدا عندها تُحلّ العقد وتطمئنّ النفوس، وتهزم داعش، ويعود المسيحيون العراقيون إلى منازلهم في الموصل ونينوى.
إنطلاقاً من هذا كله ومن أحقيتنا بالمحافظة على الكيان في وقت تتهاوى فيه الأقاليم والدول، تعالوا لنَحيدَ عن الأنانية والذاتية والشخصنة، ونتعالى عن “الأنا” في الرئاسة، ونبتعد عن مقولة “من بعدي الطوفان” ونتوافق ليس كمسيحيين بل كلبنانيين متجذرين بهذه الأرض لاجتياز هذه المرحلة بأقل الخسائر وبعدَها لكل زمن نقاش ولكل وقت حوار…
هذه المدرسة التعطيلية لا تتوقف عند الرئاسة فقط، بل تستمرُّ نهجاً وموقفاً وثقافةً في قضايا وطنية ومصيرية كثيرة. فاستوقفني مطلع الشهر موقف الجنرال الأخير في معركة عرسال وفي ما يجري على الحدود الشرقية للبنان، الذي رفض فيه القرار 1701 والذي يساهم في مساعدة الدولة اللبنانية لتبسط سلطتها على طول الحدود الشرقية، فإن هذا الموقف يثير الإستغراب أكثر من موقف الرئاسة ولم نجد له تبريراً سوى تقديم أوراق الدولة لحزب الله ولعناصره ولمراكزه المنتشرة على هذه الحدود منذ عشرات السنين.
والكل يعلم أن عبر هذه الحدود يُدْخِلْ حزب الله سلاحه وعناصره إلى لبنان ويخرج اليوم عناصره وآلياته إلى الداخل السوري، والجيش والقوى الأمنية لا حيلة لهم على الأرض ولا قرار وقدرة لحفظ هذه الحدود. والجنرال عون شخصياً يدرك أكثر من غيره وهو الذي خبر في الحياة العسكرية أن الحدود اللبنانية التي تمتد من سفوح جبل الشيخ إلى بلدة القصر اللبنانية في الهرمل لا يمكن لوحدات الجيش اللبناني في ظل ظروف الدولة القائمة أن تقوم بهذه المهمة حتى إذا رفع العديد لعشرات الآلاف الجديدة من العناصر، فضلاً عن العتاد المتطور. فإن الحاجة ملحّة لمساعدة الأمم المتحدة في هذا الأمر، وإلا لماذا القرار 1701 وترك الحدود سائبة، حتى يكون حزب الله مرتاحاً في حركته ومعه اليوم آلاف من المسلحين السوريين والنصرة والدواعش يمرحون فيها ويقيمون المواقع العسكرية والتحصينات وكلما وجدوا أن الظروف مؤاتية في السياسة يفتحون المعارك ويتبادلون القصف الصاروخي والمدفعي والدولة والجيش والشعب اللبناني “عم يتفرجوا” وكأن هذه الحدود في دولة غير لبنان…
وبالرغم من هذا الواقع الأليم، أشيد بجيشنا الذي خاض معركة أخطاء الكل وخاصة أخطاء حكومة الميقاتي التي بدء فيها النزوح الى لبنان وشارك فيها فريق سياسي أساسي في المعارك في سوريا وسكت عنه فريق مسيحي امَّن له غطاء المشاركة داخليا وساق الحجج والتبريرات لقتاله، فإذ بعسكرنا يفتدي باللحم الحي كل هذه الأخطاء ويريدون من قائده بعد ذلك ان يستمر في معركة عرسال التي اجمع الكل على انها كانت مدخلا لمشكلة لبنانية جديدة، ولكن نجح الجيش باستعمال النار والقوة من جهة والحكمة من جهة أخرى بان يجنب لبنان هذه الكارثة. راجياً من الله ان يعود الينا اسرانا العسكريين والامنيين.
واليوم أسأل أين ذهب المسلحون بعد معركة عرسال، ألم يعودوا إلى عمق الحدود اللبنانية، ومن يقتلعهم إلى داخل الحدود السورية، بل من شن عليهم معارك في الداخل السوري كالكماشة وفتح لهم الممرات الآمنة إلى الحدود اللبنانية.
يا حضرة الجنرال، لو كان القرار 1701 مطبقاً على الحدود الشرقية كما طالبت قوى 14 آذار منذ سنوات، لكنا بمنأى عن القتال في سوريا، وعن النازحين السوريين ومخيماتهم، وعن مواقعهم العسكرية التي أصبحت اليوم أمراً واقعاً تفوق قدرة الدولة على استيعابها، ولهذه المواقع ارتباطاتها العربية والإقليمية وفيها شبكات المخابرات الأجنبية وأجندتها المختلفة…
من هنا نتساءل لماذا تتخذ وتيارك موقف المواجهة ضد أي قرار قد يتخذ لمصلحة الدولة ومؤسساتها؟ ولأجل من؟ لأجل حزب الله ومنظومته الأمنية والعسكرية التي ستمهد لك لرئاسة الجمهورية؟
فحبذا لو تدرك أن هذه السياسة ما كانت إلا إخفاقاً للدولة ومؤسساتها، ومن بعدهم إخفاقاً للمسيحيين عندما يتمترسون وراء مشاريع دينية وأصوليات متشددة لها بُعْدَها الخارجي قبل الداخلي. فتُولِّد هذه المشاريع بالمقابل أصوليات تكفيرية غوغائية، لا مصلحة للمسيحيين فيها، ولا رؤية مستقبلية للمنطقة برمتها في ظل هذا الواقع الجديد.
وهنا تعود بي الذاكرة إلى من عنون المرحلة الماضية “بحلف الأقليات”، بوجه الأكثرية في المنطقة العربية ومهَّد له بعد ذلك “المثقفون”برفع شعار المسيحية المشرقية وكأن المسيحيين عادوا من جديد إلى الشرق على يد تيارهم السياسي ضاربين بعرض الحائط ألفي سنة ونيف للأديرة والكنائس، متجاهلين أن المسيحيين العرب الأقحاح قبل الإسلام في المنطقة، وهم رواد النهضة العربية من جبران إلى الأخوين بستاني واليازجي وغيرهم الكثير الكثير، وأن وجودهم اليوم ليس منَّة من أحد عليهم.
فهم الأصيلون المتجذرون في كنائسهم وأرضهم وبيوتهم، وهم دفعوا الدم للمحافظة عليها في حين أن الغير تاريخه معروف في حروبه، وعلى من وقعت في لبنان، وأين يقف اليوم وبوجه من تحديداً؟
هذه المشهدية الخطيرة المعبِّرة عن انفجار الصراع الشيعي السني في المنطقة والذي أخذ منحاً دموياً مقيتاً، وعصبياً متشدداً لا مكان للعقل وللفكر وللمنطق فيه، يتشابه في صوره الحاضرة مع الجاهلية القبلية في عصور العرب الأولى، فتراجع فكر الدولة الحديثة وحل بناء الإمارات والخلافة في بيئة مهَّدت لها وغزَّتها الثورات ذات الطابع الديني المتشدد فولد عندهاالدواعش والإسلاميون الجدد وميليشيات الأئمة المنتظرين.
وما الذي جرى بالأمس في أحد مساجد العراق ظهيرة صلاة الجمعة إلا ترجمة مخيفة لهذه المشهدية الجديدة التي لا مصلحة لنا، لا من قريب ولا من بعيد، التشابه بها أو محاكاتها في واقعنا اللبناني.
إنطلاقاً من هذا كلِّه، وخوفاً على انهيار الكيان اليوم، ورحمةً باللبنانيين وباقتصادهم وبأمنهم وبلقمة عيشهم، لنسارع إلى انتخاب رئيسٍ عبر الطرق الدستورية المعروفة لنفوَّت ما يحاك لنا علّنا نؤدي بذلك المسؤولية التي ألقاها الناس على عاتقنا.