
تعريب: Sophie Chammas
تقرير خاص
في الجزء الأول من سلسلة تتألف من جزئين عن القوات التي نظمت نفسها لمواجهة الدولة الإسلامية في العراق، نلتقي بالميليشيات الشيعية المثيرة للجدل التي تمنع الإسلاميين من التحرك نحو بغداد.
تم تحديد “الحدود” العراقية الجديدة بجدار من التراب بعلو مترين. يجتاز الجدار الرملي، كما هو معروف، الأراضي الزراعية والبساتين، ويفصل الأراضي المنحسرة للدولة العراقية كما أنشأت منذ 95 عاما عن الأراضي الآخذة بالاتساع للخلافة الإسلامية الجديدة.
على الجانب الشمالي، تومض الأعلام السوداء للدولة الإسلامية (داعش) في ضباب بعد الظهر. لكن على الجانب العراقي فليس العلم الوطني هو الذي يرفرف بل لافتة شيعية سوداء.
“هذه الأرض هي ما يفصل الخير عن الشر”، يقول مقاتل شيعي، مشيرا إلى المنطقة المحرمة بين القوتين. “ترى هنا راية الإمام الحسين وترى هناك أعلام الدولة الإسلامية السوداء. إنه التاريخ الذي يعيد نفسه” كما يقول، في إشارة إلى العداوات القديمة بين السنة والشيعة والتي كانت هذه السهول مسرحا لها منذ قرون مضت.
عندما استسلم الجيش العراقي أمام الدولة الإسلامية في وقت سابق من هذا الصيف، ترك أمر ملء الفراغ ومراقبة تقدم الإسلاميين نحو بغداد للميليشيات الشيعية. مثل الأكراد في الشمال، يتنامى الشيعة باعتبارهم وحدة قتالية أكثر فعالية لمواجهة الإسلاميين الذين رفعتهم أنشطتهم الإجرامية مؤخرا إلى مرتبة العدو العالمي رقم واحد.
لكن الاعتماد على الشيعة يجلب مشاكل خاصة بها. يوم الجمعة، نسبت إلى الميليشيات الشيعية عملية قتل 70 شخصا في مسجد السنة في ديالى. مثل هذه الهجمات أقنعت أعدادا كبيرة من السنة العاديين الذين يعيشون في مساحات شاسعة بين بغداد ودمشق بالوقوف إلى جانب الدولة الإسلامية. في الشرق الأوسط، كما قال وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند، الأسبوع الماضي، “عدو عدوي ليس دائما صديقي”.
على الأرض، يحرص رجال الميليشيات الشيعية على التأكيد على تفانيهم العاطفي من أجل المعركة، لكنهم ينفون أن يكونوا بنفس سوء الدولة الإسلامية.
“اسمنا يثير الرعب وهم يخافوننا. يعتقدون أننا مثل الدولة الإسلامية، لكننا لسنا مثلهم”، يضيف عنصر الميليشيا. “نحن لا نقتل العائلات، ولا نهاجم النساء، أو الأطفال، أو كبار السن.”
لا يترك الطريق إلى خط المواجهة للزائر أدنى شك: إنها الحرب. ينتشر الحطام العسكري متناثرا على طول جانبي الطريق السريع. شاحنة عسكرية عابرة أو سيارة “هامفي” تسرع في الاتجاه المعاكس، ناقلة الجرحى والقتلى، مجتازة حطام قطعة مدفعية، رأس مدفعية منفجر من سيارة هامفي، وعدد وافر من أجسام معدنية مشوهة.
حقول خصبة تشتهر بالبطيخ والقمح والشعير أصبحت الآن بورا جافة بعد أن دمرت قنوات الري من جراء القصف. قرى مهجورة أو مدمرة وبقايا بيوت من الطين استولت عليها وحدات عسكرية وميليشيوية بعد أن هرب سكانها السنة نحو الشمال.
في هذه المواقع التي تكاد تعود للقرون الوسطى، تبدو الاختراقات العصرية سخيفة. إشارة سير على الطريق السريع المجاور، الشريان الرئيسي الذي يربط بغداد بكركوك في الشمال، يشير، بثقة في غير محلها، إلى مسافات لم يعد من الممكن قياسها بالكيلومترات، بل بعدد الرجال الذين سيلاقون حتفهم وهم يحاولون اجتيازه.
“هل ترى أبراج الكهرباء أمامنا؟ هذه بلدة العظيم. “، إنها تحت سيطرة الدولة الإسلامية”، يقول مجتبى، مقاتل آخر في صفوف الميليشيا الشيعية، وهو يركض متجها نحو الجبهة. يومئ بقبعته المرنة نحو اليسار ويضيف: “إنهم في الجهة المقابلة لنا الآن – لا يفصل بيننا سوى نهر دجلة.”
مجتبى هو خير مثال للسلالة الجديدة من المقاتلين الشيعة، العازمون على مواجهة ما يرونه تهديدا وجوديا ضدهم، معركة كسبت قوتها من خلال أكثر من عقد من الصراع في العراق وسوريا، وفي بعض الحالات، تدربوا في إيران ولبنان في إطار اهتمام لا يلين من حزب الله.
مجتبى في منتصف العشرين من العمر، قاتل في سوريا، وإيمانه ضعيف في قدرة الجيش العراقي على خوض هذه الحرب، “حتى لو وضعوا ألفي جندي في هذه القرية، لن آخذهم على محمل الجد أو أعتمد عليهم.” “نحن فصيل المقاومة التي تقاتل منذ 11 عاما. تم إرسال كل عنصر منا إلى ثلاثة معسكرات تدريب خارجية على الأقل في إيران ولبنان تحت إشراف حزب الله. دام كل مخيم مدة شهرين. هل تعرف ماذا يعني أن تعيش 60 يوما تحت قسوة مستمرة من قبل حزب الله؟ كنت أعود شخصا جديدا. لا يمكنك مقارنتنا مع هؤلاء الجنود الذين انضموا إلى الجيش مقابل المال “.
كان معجبا جدا بتجاربه حتى أنه أطلق على ابنه البكر اسم عماد مغنية، القائد العسكري الأسطوري لحزب الله.
عند خط المواجهة، تبدو العلاقات السيئة واضحة. في إحدى زوايا الجدار الرملي، وقفت مجموعة من جنود الجيش العراقي في سراويل قصيرة وقمصان يعلوها الغبار والعرق وهم في حالة ذهول تحت أشعة الشمس الحارقة. بدلا من الخنادق أو الملاجئ، انتشرت الفرش والبطانيات الملونة على الجدار الرملي، مظهرة إياه كحبل غسيل عملاق.
يعتمد الجنود على المليشيات لحماية خط الجبهة، وعلى المتطوعين المدنيين والقرويين لتقديم الطعام والماء لهم. تخلت الحكومة عن محاولة تزويدهم بالإمدادات.
قال جندي في منتصف العمر “يقولون إن الجندي العراقي جبان ولكن أين هي الحكومة؟” لدى الجنود ما يكفي بضع ساعات فقط من الذخيرة ومدرعتين روسيتين قديمتين مركونتين في الجوار، واحدة منهما فقط تطلق النار. أما الأخرى فتعطلت وبقيت هناك للزينة فقط.
“أين هم أعضاء البرلمان الذين يماحكون في بغداد؟ لماذا لا يزورون الجبهة، ويقدمون لنا صندوق ذخيرة ؟ سأل الجندي الساخط.
جنبا إلى جنب، في غرفة صغيرة من الإسمنت، احتشد عدد من رجال الميليشيا الملتحين في منتصف العمر، نصف عراة في الحر القائظ يحاولون النوم. رشاشات جديدة، وقاذفات صواريخ، وبنادق كلاشنيكوف، مصفوفة بدقة على الجدار من جانب واحد.
كان الرجال قد عادوا لتوهم من القتال في سوريا لتولي مسؤولية قطاع من الجبهة في محافظة ديالى. لم تكن هناك أية شكاوى تتعلق بالأسلحة. بدلا من ذلك، كان هناك نفاد الصبر للمعركة. “لماذا لا نهاجمهم؟” سأل شرطي أعور تحول إلى مقاتل في الميليشيا. ” كان عدونا في سوريا أقوى بكثير وكنا هناك أجانب نقاتل على أرض غريبة. نحن الآن في ديارنا، أعرف كل قرية وكل ممر”.
أمامه، جلس قائد الوحدة، وهو كاتب سابق في مدرسة، وقال، ” إن السواتر سيئة لدفع القضية. في السابق، كان من الأسهل استهدافهم. لدينا الآن جدران بين الطائفتين، ولقد تمركزوا وراءها “.
بالنسبة لهؤلاء الرجال، إن السنة ككل هم العدو، بغض النظر عما إذا كانوا من أنصار الدولة الإسلامية أم لا. بالنسبة لهم، إن الاستراتيجيات الغربية لمحاولة هزيمة الدولة الإسلامية عبر حرمانها من الدعم السني الشامل هي هراء.
“إن سحبت قواتي الآن سوف يعود السنة ويشكلون بيئة حاضنة للدولة الإسلامية مجددا” قال مقاتل. “عندما أمنطقة من الدولة الإسلامية لماذا علي أن أعيدها لهم؟ إما أن أمحوها أو أسكن الشيعة فيها “.
“لو عاد الأمر إلي سأبدأ بتطهير بغداد منذ اليوم” أضاف مقاتل آخر. “نحن لم نبدأ الحرب الطائفية، نحن نحاول فقط تأمين مناطقنا، ولكن إن عادت الأيام الطائفية، عندها أنا متأكد من أن النصر سيكون حليفنا”.
تستأنف الحرب في كل ليلة. الجنود ورجال الميليشيا يطلقون النار بحسب رغبتهم، ويستمر إطلاق النار في الظلام حتى ساعات الصباح الأولى.
“إن لم يرونا نطلق النار، سوف يفترضون أننا تركنا المراكز ويبدأون بالتقدم نحونا”، قال جندي شاب. “نطلق النار على كل شيء، على أي شيء وراء التلال، حتى لو كان كلب.”
تشير الدلائل على أن صحوة الشيعة المستوحاة بدأت تعطي نتائج. هنا في ديالى تمكنوا من التقدم مسافة 50 كيلومترا داخل الأراضي السنية، والاستيلاء على سلسلة من القرى وترسيخ خطوطها. وقد أخذ قادة الميليشيا جثث قتلى الدولة الإسلامية وعرضوها كجوائز في عاصمة المحافظة.
قرية سنية مهجورة قرب خط المواجهة، الأبواب والنوافذ محطمة. العديد من المنازل تم إحراقها، والجدران مليئة بشعارات مؤيدة للجيش. سقطت قذيفة هاون في حديقة صغيرة وأضرمت النيران. أشجار النخيل أحرقت ببطء. كانت سعفها تطقطق وتئن بينما تلف القرية رائحة الجثث النتنة.
“هذه قرية مزارعين أغنياء”، قال مجتبى. “جلبوا الدمار لأنفسهم لأنهم فقط يكرهون الشيعة ويدعمون الدولة الإسلامية”.
نظر إلى مسجد صغير بقي سليما. “من العار أن يبقى المسجد قائما – كان علينا إحراقه”.
في عاصمة المحافظة، بعقوبة، علقت جثتان من عمود إنارة، علقت إحداهما رأسا على عقب. قال عنصر الميليشيا الشيعي إنها جثتا مقاتلين في الدولة الإسلامية تم إحضارهما من الجبهة. لكن السنة في ديالى، يقولون إن الجثتين تعودان إلى مواطنين محليين اختطفتهما الميليشيات وقتلتهما انتقاما لرجال الميليشيات الذين قتلوا على الجبهة.
“عندما يخسرون رجالا على الجبهة، يداهمون قرانا ويخطفون الرجال للانتقام”، قال أحد المزارعين السنة المذعورين الذين يعيشون في الجوار. “تم اختطاف تسعة رجال في الشهر الماضي. وجدنا جثث ثلاثة منهم. البقية ما زالوا مفقودين”.
في الجهة المقابلة من الشارع المليء بالجثث، ينتظر الرجال والنساء الحافلة بصمت، حاملين أكياس التسوق البلاستيكية وممسكين بأيدي أطفالهم، مشيحين بنظرهم بعيدا عن الجثث.
عند الظهر وصلت مجموعة أخرى من رجال الميليشيا إلى الجبهة. كانوا يرتدون قمصانا سوداء متطابقة وسراويل قتالية جديدة. التقطوا صورا مع الجنود والتقطوا صورا لأنفسهم وهم يطلقون وابلا من الرصاص الثمين.
ابتعد مجتبى وهو يشعر بالاشمئزاز وقال إن الوقت قد حان للمغادرة. “علاقتنا معهم متوترة.”
بالعودة إلى شاحنته الصغيرة، قال إن الشبان ينتمون إلى إحدى الكتائب الجديدة التي تشكلت مؤخرا والتي كانت تتنافس مع ميليشياته على التمويل والذخيرة. “نحن نعاني من مشكلة الفصائل الجديدة التي تظهر كل أسبوع”، وأضاف، “إنهم كارثيون. كل 20 رجل يشكلون كتيبة أو لواء. يتلقون دعما من مكتب التعبئة ومن الدولة ولم يقدموا أي شيء في المقابل.
“اعتدنا الحصول على الكثير من الدعم الإيراني، لكن ديالى الآن هي تحت سيطرة هادي العامري (قائد لواء بدر وحليف طويل الأمد لإيران). ويتم تحويل كل الدعم من الدولة العراقية والجمهورية (الإيرانية) من خلاله. تقول ايران: “خذوا حصتكم من هادي العامري “.
في بغداد، قال سياسي شيعي بارز، بدأ حزبه بتسليح وتجهيز قوة ميليشيا خاصة به، إنه يخشى أن الشيعة أصبحوا متطرفين مثل العدو الذي يحاربونه. “نعمل على إنشاء مجموعات شيعية راديكالية متساوية في تطرفها مع تنظيم القاعدة السني.
“من خلال تسليح المجتمع وخلق كل هذه الأفواج من الميليشيات، أخشى أن تحترق طائفتي وأن يحترق مجتمعي. كان مشروعنا الشيعي أن نبني دولة حديثة، عادلة. لكن الآن سيطر عليها المتطرفون. إن فكرنا بالعشرين سنة القادمة، ستكون هذه كلها مدارس تخرج ميليشيات، وتخلق طافرة قتل الناس، وتكديس السلاح. إلى أين سيذهبون عندما ينتهي القتال هنا؟ سوف يأخذون حروبهم ويذهبون إلى السعودية واليمن. فكما هاجر الجهادي السني، هكذا ستفعل الميليشيات الشيعية.
Iraq: on the frontline with the Shia fighters taking the war to ISIS
تعريب: Sophie Chammas
English / Arabic-French / Arabic
Freelance Translator-Lebanon
Telefax: 00961 4 419561 – Mobile: 00961 3 292173