كتبت رولا موفق في “اللواء”: في معراب، تحضر “داعش” بوصفها ظاهرة مَرَضية منحرفة أبعد من السياسة والعقائد. يجمعها نظرياً الإسلام، ولكن ما يجمعها عملياً هو انحراف نفسي وميول تدميرية وغرائزية للقتل. كان واضحاً لدى رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع أن إطالة عمر الأزمة السورية سيؤول إلى مثل هذه الظواهر التي تنمو حين تنتفي السلطة. خرجت من رحم “تنظيم القاعدة” واستغلت، لتثبيت مشروعها، وجود ثورة في سوريا وتمويل وسلاح لإسقاط النظام، مستفيدة من تماهي مصالحها مع مصالح النظام السوري، الذي باعته النفط حيث سيطرت، فمدّها بالمال وسهّل تمددها جغرافياً لتبسط نفوذها، ما أمّن بشكل أو بآخر ظروف نجاحها، ولعب النظام العراقي دوراً مسانداً في تقويتها إلى أن قلبت الموازين بعد عملية الموصل وأضحت اليوم قوة خارج السيطرة.
على أن “الحكيم” واثق من أن “داعش” التي سرقت “ثورة سنّية شاملة” في الموصل تحمل بذور هزيمتها. هي الحدث اليوم وجرائمها فاقت كل تصوّر. ويجب القضاء عليها. وقد اتخذ القرار، وتمّ تشكيل تحالف غربي – عربي لمواجهتها من خلال تسليح مباشر للأكراد ومن ثم للقوى النظامية العراقية للالتفاف من صوب بغداد، وتسليح فعلي للجيش الحرّ في سوريا ستتسارع وتيرته في المستقبل القريب، ولا سيما بُعيد تشكيل غرفة عمليات مشتركة في تركيا بمشاركة أميركية.
لكن الرجل الذي خَـبِـر الحروب والويلات لا يعتريه الخوف على المصير. يقول أمام ثلة من الإعلاميين، إن كل الدعوات أو محاولة الإيحاء بوجوب اللجوء إلى الأمن الذاتي هي دعوات مرفوضة، لأنها عودة إلى الحرب والاقتتال الداخلي. وحده مشروع الدولة، بمؤسساتها الدستورية والأمنية وقواها النظامية، هو خلاص اللبنانيين. يسعى إلى تطمين مجتمعه الذي يعتريه الخوف، لكن قراره حازم بأن لا أمن ذاتي، وأنه كان يدرك أن بعض الأفرقاء المسيحيين قد بدأوا بالتسلّح.
على أن ثمة قلقاً حقيقياً ينتاب جعجع على المستوى الداخلي. قلق على مصير الانتخابات الرئاسية. صحيح أن المسار الذي سلكه الحكيم في معركته الرئاسية مدعوماً من قوى الرابع عشر من آذار قدّم نموذجاً متميزاً، وأعطى الاستحقاق نكهة مختلفة عن سابقاته وعرّى الخصوم في تعطيلهم العملية الديموقراطية، إلا أنه في نهاية المطاف لم يوصل إلى إنجاز الانتخابات. اليوم أضحى الركون إلى تعطيل رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” ميشال عون و”حزب الله” للاستحقاق، ومصادرته والإمساك بمصيره، مسألة أقل ما يقال فيها إنها تشكل خسارة لقوى الرابع عشر من آذار. الجميع يريد انتخابات رئاسية إلا عون و”حزب الله”. يدرك جعجع أن عون هو الحلقة الأضعف ومزاجه الشخصي يتحكم بالإفراج عن الاستحقاق، فيما حسابات “حزب الله” حسابات كبيرة وجزء من استراتيجيته، وهو فعلياً يُمسك بخيوط لعبة التعطيل.
هذا الواقع بات يتطلب عملاً جدياً لإحداث اختراق ما، والجهد لا بد من أن يكون داخلياً، في ظل تراجع الاهتمام الدولي بلبنان، حيث لا مساع فعلية تدفع في اتجاه الضغط على الأطراف المعطلة. الأميركيون خارج المشهد. والفرنسيون سعوا سابقاً لدى الإيرانيين، فأحالوهم على “حزب الله” وعون، وفهموا أن لا نية لدى طهران بتحرير الاستحقاق.
راهناً، ثمة حراك بعيداً عن الأضواء داخل قوى الرابع عشر من آذار للخروج بتصوّر. ومنطلقات البحث مُتفاهم عليها وتم ترسيخها في لقاء مطوّل بين جعجع وزعيم “تيار المستقبل” سعد الحريري لدى عودته إلى لبنان: مرشح وفاقي ذات معايير مقبولة وليس كيفما اتفق. الاقتراحات بين “القوات” و”المستقبل” لا تنقطع، وتبادل الأفكار يشمل الحلفاء الآخرين ولا سيما “الكتائب”. أحد الاقتراحات قيد النقاش وهو ما يشبه المبادرة التي تقوم على نقاط ثلاث: أولها تأكيد قوى الرابع عشر من آذار تمسكها بالاستحقاقات الدستورية ومواعيدها، بدءاً من استحقاق رئاسة الجمهورية الذي لا بد من إتمامه. ثانيها: إفساح المجال للبحث في مرشح وفاقي بغية ملء سدة الرئاسة. ثالثاً: الاتصال بكل الأفرقاء من أجل التوصل لهذا المرشح، وفي حال لم تفض الاتصالات إلى اتفاق، تبقى قوى الرابع عشر من آذار على تمسكها بمرشحها سمير جعجع. وصل الاقتراح إلى “الكتائب”. فُهم أن ثمة رغبة في أن يكون الرئيس أمين الجميل هو مرشح “14 آذار” إن أخفقت المبادرة في كسر جمود الاستحقاق، انطلاقاً من اقتناعه بأن حظوظه أكبر. رغبة يحتاج لتحقيقها نجاحه في حصد أصوات اضافية عن جعجع!.
البحث مع الفريق الآخر لن ينحصر في الأسماء الأربعة التي يتم تداولها. ذلك أن من المنطلقات المطروحة ألا يتم اللجوء إلى تعديل الدستور، ما يُسقط احتمالات التوافق على قائد الجيش جان قهوجي أو حاكم مصرف لبنان، فيما طرح هنري حلو لا يُوفّر أدنى الشروط المقبولة من وجهة نظر مسيحية للمرشح ذات المعايير المقبولة. وليس حال المرشح جان عبيد بأفضل، فرفضه لا يقتصر على «القوات»، والكلام عن غطاء حريري – سعودي له يحتاج إلى تدقيق.
على أن التساؤل الذي يُحدّد بوصلة المساعي يدور حول ما إذا كان الفريق الآخر جاهزاً للبحث. لا يبدو الجواب إيجابياً. هذا الواقع يدفع إلى التفكير بحراك من نوع آخر. حراك يؤول إلى تشكيل قوة ضغط علّه يُخرج الاستحقاق من عنق الزجاجة. الخيارات متعددة، ومقاربتها قد تحمل أبعاداً ثورية إنما ضمن القانون والانتظام العام. أفكار تبدأ بالإضراب والاعتصامات ولا تنتهي بالنزول إلى الساحات. ولكن المهم أن تؤدّي تلك الخيارات إلى مراميها.
القلق على الرئاسة لا يعني بالمطلق أن يتم تقديم التنازلات بأي ثمن. والحراك المطلوب لن يكون عشوائياً بل مدروس. ويُدرك “سيّد معراب” ما هو ممكن وما هو غير ممكن. مسألة التنسيق مع حلفائه قائمة حتى ولو كانت الآراء مختلفة في بعض العناوين، وذهب كل في اتجاه، تماماً كما من المتوقع أن يحصل في موضوع التمديد للمجلس النيابي. فـ”القوات” لن تذهب إلى التمديد، لكن “الحليف الأزرق” لديه اعتبارات ومخاوف من أن يؤول عدم التمديد للمجلس في ظل غياب انتخابات نيابية إلى تعريض النظام للخطر، وإن كانت تلك المخاوف ليست في محلها، من وجهة نظره، لأن المجلس يستمر بحكم استمرار المؤسسات، وكل تهويل بإمكان تغيير النظام عبر مؤتمر تأسيسي لا حياة له، إلا أنه يتفهّم الحلفاء…