#adsense

على جبل سنجار

حجم الخط

كتب أمجد إسكندر في “المسيرة”:

ماذا كان سيفعل أبرياء هذه الأرض لولا وجود جبال وتلال؟

الى أين كانوا سيلجأون ويتحصنون ويعيشون؟ لماذا ومنذ مئات السنين سهول هذه الأرض وصحاريها منبت للقساة والظالمين والظلاميين؟ هذه الأرض الممتدة من أقصى الشرق الى أدناه، صدّرت معظم الغزاة والفاتحين والقتلة. نادرًا ما هبطت شعوب الجبال وعاثت في الأرض فساداً. صورة الأيزيديين الهاربين الى جبل سنجار، كان يجب أن تنتمي الى القرون الوسطى، فكيف حصل ما حصل في القرن الحادي والعشرين؟ الأيزيدون ليسوا بمسلمين ولا بمسيحيين، فهل هذا يعني أن العصبية الدينية لا ترتبط بفكر فقط بل أيضًا بجغرافيا؟

ممنوع أن تكون في سهل نينوى أمسيحيا كنت أو أزيدياً. ممنوع أن تبقى في سهول أفاميا، فإن لم تصمد على هضبة قورش، إذهب أيها الماروني الى جبل لبنان.

قد يُقال هذا كلام فيه عنصرية جغرافية. الشر يأتي من السهول والمدن والبوادي والصحاري، والخير والحق يهبطان من الجبال أو يتحصَّنان في الجبال.

أفهمُ أن الموارنة قبل ألف وأربعمئة سنة لم يجدوا إلا الجبال والإرادة الحرة، ليحافظوا على كرامتهم، ولكن حتى في عصر التطور التكنولوجي، والتطور الاجتماعي، والتطور الأخلاقي،  لم يجد الأيزيديون إلا الجبال! ومظلات المؤن الغذائية، وغارات محدودة تمنع الأسوأ… بعد أن وقع الأسوأ!

المسألة إذاً، إننا نحن مسيحيو هذا الشرق العنيف، علينا أن نخوض المعركة لوحدنا. نحن أو “هم”. و”هم” كثر كانوا، وكثر سيأتون تباعاً.

أوباما كان يمكن أن يصل بساعات الى جبل سنجار، ورغم منحاه السلمي، كان جورج بوش أصدق منه في ميزان الأخلاق الإنسانية! تعددت المآسي ولكن لم تكن المنطلقات نفسها. في الحالين لا بوش ولا أوباما، حملا المن والسلوى إلينا نحن المسيحيين، أو شعوب بلاد المن والسلوى، المعروفة باسم العراق.

بديهيًا، الطبيعة القاسية للجبال كان يجب أن تولِّد طبائع قاسية لسكانها، فلماذا القساوة الفكرية تأتي عادة من رحاب السهول؟

نحن أبناء الجبال، قساة على أنفسنا، قساة في سحنات وجوهنا، في لهجاتنا. قساة على أولادنا وأحفادنا، لكننا في منتهى الرقة الإنسانية.

نحن نُحطِّم الصخور ونزرع الزهور والتفاح والكرز والعنب. غيرنا حطَّم الكنائس والمساجد ليزرع ماذا؟

من جبال التيبت، الموصوفة بسقف العالم، الى جبل بقاعكفرا، أعلى قرى المشرق، الدلاي لاما ومار شربل يزرعان الحب والسلام ودفء المشاعر الإنسانية، في مناخات صقيع ما تحت الصفر.

نعيش تحت صقيع الطبيعة، وفوق صقيع المشاعر الوافدة. ولا نملك خياراً آخر، إلا أن نعيش لننتقم بالحب لمَنْ سُلِّمَ على جبل زيتون، وصُلبَ على تلة. ولكن لن نرضى بأن يتكرر الأمر مع شهوده.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل