وفي ذكريات المطران الذي رفض الكشف عن اسمه، قوله ان من كان مع حرب التحرير انقلب على عون يوم غير اتجاه البندقية العسكرية نحو «القوات اللبنانية» التي كانت في ذروة قوتها وتجمع اللبنانيين حولها، حيث وجدت نفسها في مواجهة ما وصف يومها بانها «حرب توحيد البندقية» او «حرب الالغاء» من غير ان يؤدي ذلك الى التوحيد والالغاء بقدر ما ادى الى الشرذمة اضافة الى ما اوقعته تلك الحرب من خسائر بشرية في صفوف قوى الشرعية التي كانت بأمرته وفي صفوف القوات اللبنانية وما خلفته من صراعات داخل مناطق سيطرة كل طرف اضافة الى ما احدثته من صراعات جانبية بين المحسوبين على الجانبين تبدو مستمرة حتى الان وما ادت اليه في نهاية المطاف من اضطرار مجلس النواب ومعه حكومة الرئيس سليم الحص الى الانصياع لمبادرة المملكة العربية السعودية التي جمعت المتنازعين في الطائف، حيث تم التوصل الى صياغة جديدة ومختلفة للدستور اللبناني اجبرت الجميع على التخلي عن لغة السلاح والاحتكام الى قانون الطائف؟
وهذا ما حصل مع الجميع باستثناء حكومة العماد عون التي انسحب منها الوزراء غير المسيحيين، وهي سابقة في الحياة السياسية اللبنانية، فيما كان رد «الجنرال» باصدار قرار حل المجلس النيابي وحظر مجيء النواب المسيحيين الى منطقة سيطرته.
صحيح ان هذه المعلومات معروفة من معظم اللبنانيين، لكن ما هو غير معروف بحسب ذكريات المطران الماروني، ان البطريرك الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير سعى جهده لوقف الحرب بين المسيحيين من دون ان يحالفه الحظ، ما اضطره بعد مراجعة مجلس المطارنة وشخصيات الرابطة المارونية الى اصدار «قرار كنسي بحرمان عون وقائد القوات اللبنانية سمير جعجع ومنعهما من دخول الكنيسة اضافة الى استتباعات القرار الذي يحرم على الاثنين الصلاة على جثمانيهما في حال الوفاة» اذا لم يلتزما وقف النار فورا.
وقد جاء رد فعل عون «استمرار قراره فتح النار على القوات اللبنانية كما أحل دم جعجع وكل من يقف في وجه جيشه وشن حملة تشهير ضد صفير».
لقد كرر البطريرك صفير دعواته الى وقف النار من دون طائل، فيما التزم جعجع به، في وقت كثفت قوات عون من حصارها لمناطق كثيرة على مشارف مناطق سيطرته مثل عين الرمانة التي سقطت لاحقا بقوة النار التي استهدفتها، ومثل الاشرفية والدورة والخط البحري من شمال بيروت وصولا الى مناطق كسروان وجبيل والبترون التي تعرضت لوابل من القصف المدفعي على مدى شهور، قبل ان يتقرر اسقاط عون بعملية عسكرية ساهمت فيها قوات الاحتلال السوري ومعها عدد لا بأس به من الجنود اللبنانيين بقيادة قائد الجيش الثاني آنذاك العماد اميل لحود الذي كافأه السوريون والفريق الذي اسقاط عون بانتخابه رئيسا للجمهورية؟!
والمعروف عن تلك الفترة لجوء العماد عون ووزراء حكومته العسكريين وبعض الضباط والسياسيين المقربين الى السفارة الفرنسية في القرب من القصر الجمهورية في بعبدا، التي عادت ورتبت عملية فراره على متن سفينة شحن من منطقة انطلياس باتجاه بارجة حربية فرنسية اقلته الى مرسيليا ومنها انتقل الجميع الى باريس حيث عاشوا في نعيم من البذخ والابهة السياسية والديبلوماسية؟!
بعد سنوات من الابعاد القسري عاد عون الى الوطن، وخرج جعجع من السجن فيما استمرت خلافات الرجلين على قسمة الجمهورية على رغم معرفتهما ان المنصب مقيد بقانون – دستوري لا يسمح لاي منهما بان يفعل سوى ما يقره مجلس الوزراء وفي الحالين لا بد من القول ان البطريرك الماروني الخلف الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قد اكتفى الى الان بمناشدة عون وجعجع تحكيم العقل، لقاء انتخاب رئيس للجمهورية من غير ان يسمع جوابا شافيا، على رغم انقضاء قرابة مئة يوم على شغور الموقع الرئاسي (…) وليس من يتوقع ردا ايجابيا؟!