هل أصبح “لبنان من دون رئيس”، وبالتالي من دون سلطة تنفيذية كاملة ومن دون سلطة تشريعية فاعلة، مسألة بديهية لدى “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” لكي يكتفيا، مع أتباعهما في ما يسمى “محور المقاومة والممانعة”، بتعداد مرور الأيام والأسابيع والشهور عليها من دون أي عمل لوضع حد لها؟.
لا مبالغة في القول إن هذه هي الحقيقة، بل إن ذهاب أحدهما (الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله) الى اختزال المسألة كلها بـ”الحرف الأول من اسمه” كما قال علناً، وانشغال الثاني (رئيس “التيار الوطني الحر” العماد ميشال عون) بابتداع اقتراح تلو الآخر لإبقاء الحال على ما هي عليه، لا يؤديان في واقع الأمر سوى الى تأكيد هذه الحقيقة.
ما باله “لبنان من دون رئيس”، ومن دون سلطة تنفيذية كاملة (لا ميثاقية وحتى بتراء كما قيل مرة عنها؟!)، ومن دون سلطة تشريعية فاعلة بعد أن تحولت بموجب الدستور الى هيئة ناخبة، ما دام “الرئيس” المعين سلفاً من قبل هذا الفريق غير قادر على تولي المنصب؟!.
فالقضية بالنسبة للحليفين، عفواً “المتفاهمين”، فضلاً عن أتباعهما في “المقاومة والممانعة” أهم من ذلك وأشد خطراً على لبنان الآن وفي المستقبل القريب منه والبعيد.
هي، في رأي العماد عون، حاجة اللبنانيين الماسة الى التنسيق الميداني بين لبنان وسوريا على الطريق لتطبيق “معاهدة الأخوة والتعاون” بين البلدين في مواجهة تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش) و”جبهة النصرة” وغيرهما من الفصائل المعارضة لنظام بشار الأسد قبل أي شيء آخر. هنا فقط، في رأيه، تكمن مصلحة لبنان في المرحلة الراهنة، بغض النظر عما إذا كان اللبنانيون يعيشون أزمة متعددة الجوانب، سياسياً وأمنياً ومالياً واقتصادياً/ اجتماعياً، ويحتاجون للخروج منها الى رئيس جمهورية منتخب وحكومة ميثاقية ومجلس نواب غير ممدد له أم لا.
أما في أدبيات “حزب الله”، فهي الانتصار لـ”جبهة المقاومة والممانعة” المكونة من إيران وسوريا والعراق (ولبنان طبعا؟!) فضلاً عن كوريا الشمالية وفنزويلا… وسورينام كما تبين أخيراً، والعمل بمختلف الوسائل لإفشال “الحرب الكونية” التي تُشن عليها منذ سنوات، بغضّ النظر عما إذا كان اللبنانيون يوافقون على هذا التوصيف، فضلاً عن أن يقبلوا أن يكون بلدهم عضواً في هذه الجبهة أم لا.
وفي الحالين، لا يحتاج السيد حسن وحليفه العماد عون وأتباعهما الى البحث عن عنوان أو شعار. إنه الحرب الاقليمية والدولية على الإرهابيين والتكفيريين، لا سيما وأن خطرهم على لبنان لا يقل عن الخطر الذي يشكلونه الآن على سوريا أو العراق أو أي بلد عربي آخر.
لكن هل يحتاج لبنان الى رئيس جمهورية وسلطة تنفيذية كاملة ومجلس نواب فاعل، أي عملياً الى دولة، للوقوف في وجه هذا الخطر، فضلاً عن رده على أعقابه؟!… فذلك ما لا يوليه الحليفان أي عناية أو اهتمام.
ليس ذلك فحسب، فالمتحدثون بلسان الحليفين وتلفزيوناتهم وصحفهم مشغولون حتى العظم في هذه الفترة بالإجابة عن أسئلة من نوع ما إذا كانت الضربة العسكرية الأميركية المنتظرة ضد “داعش” في سوريا ستتم بالتنسيق مع النظام فيها أو من دونه، وما إذا كان رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” خالد مشعل قد ارتكب خيانة وطنية عظمى عندما أغفل شكر سوريا وإيران و”حزب الله” في أثناء حديثه عن “النصر” الذي حققته غزة في مواجهة العدوان الإسرائيلي عليها، وأخيراً وليس آخراً ما إذا كان رئيس وزراء العراق المكلف حيدر العبادي سيكون قادراً على الخروج من عباءة سلفه نوري المالكي أم لا.
لا مشكلة رئاسة جمهورية في لبنان، وإذاً لا حاجة للتفتيش عن حلول لمشكلة غير موجودة. ولعله من هنا تحديداً جاءت العبارة التي جرى ترديدها مرتين على الأقل عن “الحرف الأول من اسمه”. كما لا مشكلة أمنية ما دام الارهاب محاصراً بين جرود عرسال اللبنانية وجرود القلمون السورية. ولا مشكلة اقتصادية/ اجتماعية/ معيشية ما دامت الحكومة تقوم بالحد الأدنى المطلوب لمنع الانفجار الكبير بين الناس.
وإذاً، لنكتفِ بتعداد الأيام والأسابيع والشهور على أوراق روزنامة الرئاسة من جهة، وليبق كل شيء على حاله من جهة ثانية ما دمنا غير قادرين على تحقيق ما نريد مرحلياً على الأقل.
والمسألة في النهاية، وعلى عكس ما يُقال، ليست عند العماد عون وتمسكه بنظرية “أنا أو لا أحد”، بل هي أولاً وأخيراً عند السيد حسن نصرالله الذي ينطبق عليه المثل الذي يتحدث عن “الملك أكثر من الملك” في هذه الحال.
وإذا كان صحيحاً أن لكل منهما أسبابه الخاصة لهذه الناحية، فالصحيح أيضاً أن المسؤولية الأكبر تقع على من يتفق الحليفان على اعتباره “الأقوى مالياً وتسليحاً والأكثر نفوذاً… محلياً وإقليمياً” في إبقاء لبنان أسير الدائرة المفرغة التي يدور فيها منذ سنوات حتى الآن.
فماذا يفعل الذي يعرف الجميع “الحرف الأول من اسمه”، مثلاً، لو أن حليفه الذي يعرفون بدورهم “الحرف الأول من اسمه” قرر فجأة، ولسبب ما محلي أو إقليمي، أن ينزل نوابه الى مجلس النواب ويؤمنوا النصاب القانوني لانعقاد جلسة انتخاب الرئيس… بعد غد في الثاني من أيلول أو في أي يوم آخر؟.
سؤال ساذج حتماً، إلا أنه لا شك يجيب عن السؤال.