الجيش هو مجموع القوات المسلحة في أي دولة، تقوم مهمته على حماية الحدود من الإعتداءات الخارجية، وعلى التصدّي لأيّ انتهاك لسيادة التراب الوطني، كما يقدَم الدعم للقوى الأخرى التي تهتم بالأمن الداخلي إذا اقتضت الحاجة لذلك. استناداً الى هذا التعريف، يتّضح جلياً أن المهمة المركزية للجيش هي حماية الحدود، وما تمَ بالأمس القريب في منطقة الحدود الشرقية يصبَ في هذا الأتجاه. فالجيش اللبناني أثبت بما لا يمكن ردَه أنه يستطيع التصدَي لأيّ قوَة مهما بلغ حجمها، ولو كانت شهادة بعض أبطاله هي الشهادة على استبساله في أرض المواجهة.
إنّ ما حقّقه الجيش في مواجهة المتطرّفين في جرود عرسال، هو صفحة تهزَ فينا النخوة الوطنية حتى الأعماق، هذه النخوة المرتكزة على مبدأ الكرامة، وهو مبدأ قدسيّ كما وصايا العهد القديم. إنّ الرسالة الأولى التي التقطناها بالأمس، هي تكرار زمن الشجاعة التي تلوّن الجيش المُعافى الذي يأبى أن يكون مواطنوه من مقهوري الحياة، فأهدانا صحيح الأمجاد. أوليس الجيش من هذا الجبل الأشمّ الذي تمتدَ جذوره الى أجيال من البطولة والصمود؟ بالأمس تلاقى التاريخ والحاضر فبرزت عين ساهرة على حماية الشعب وحفظ الكيان.
والرسالة الثانية هي أن الوطن الطموح في رسالته الأنسانية والحضارية، يهدف الى صيرورة الدولة القادرة على تحقيق رسالتها وخذل كل طامع بذرَّة تراب من أرضها، وتثبيت مناخ الحرية لأهليها المتكوكبين حول جيشهم، فتتعاطف القوة والحرية في الذود عن الحياة.
والرسالة الثالثة هي تأكيد ما استقرَت عليه النظرية العلمية العالمية للقانون الدستوري، في أنّ ما يميَز الدولة دستورياً من سائر المجموعات البشرية، هو أنها تتمتَع وحدها قانوناً، ووحدها فقط، بامتياز امتلاك قوة عسكرية وقيادتها. من هنا كان مبدأ سيادة الدولة صاحبة الحق الحصري الذي يعلو سائر حقوق الجماعات الأخرى.
والرسالة الرابعة والأكثر أهميَة هي اضمحلال ضرورة المتابعة في بحث البند المتعلق بالأستراتيجية الدفاعية، أذ لا أحد يملكها، أو يجب أن يملكها، الاّ الجيش اللبناني الذي تجاوز الجميع، ودفع بالدم ثمن هذا التجاوز، ومعها يجب أن تسقط حكماً، والى الأبد، المعادلة البِدعة المتمثَلة في الجيش والشعب والمقاومة، لأنّ الجيش استطاع وحده ان يختزلها.
إن الجيش يعطي ما يطلبه الوطن، ببسالة ومن دون مِنّة، والعجيب ان بعضهم في الدّاخل يستهدفه مباشرةً وبالواسطة، ويشكّك في قدراته ويعيق تسليحه ويقف دون إمداده بالعِتاد، ربّما لكي لا يمتلك الصفة الصناعية أي التجهيزات الضرورية التي تحوَله الى جيش قادر حديث.
وربَ سائل عن السبب الخفيّ الذي يحرّك هذا المُراهِن على إخفاق الجيش (والذي لم يحصل). هل هو وجود البديل المتحفّز الى الإمساك بالأرض، والى الإبقاء على ترسانته بحجَة أن الجيش ضعيف، وبالتالي لا يمكنه صدَ مَن يتربَص بالوطن شرَا؟ أم هو الحَؤول دون قيام الدولة القادرة العادلة الحاضنة لكل بنيها من دون أي تفرقة أو امتيازات، الدولة الباسطة سلطانها على التراب الوطني قاطبة، فلا جزر مستقلة أو خارجة عن قانونها؟ أم لأنّ الجيش لم يمتثل حرفيّاً لأوامره أو لخطّته المشبوهة بتهجير منطقة بأسرها، وذلك لتبقى له هذه المنطقة أحادية الإتجاهين السياسي والمذهبي من دون دخيل؟ والأدهى أن واحداً ممّن تخرّجوا من مدرسة البطولة ولكن من دون أن تنتقل البطولة اليه بالعدوى، ها هو اليوم يتذكَر أنه من رحمها ويتباهى حيناً، ثم ينكرها ثلاثاً، ظانّاً أنّ الناس سكارى أُطبِق على عقولهم، فلم يعد باستطاعتهم التمييز بين الحقيقة والدَّجل .ألّلهمّ أعتِقنا من هؤلاء الصغار الذين يشوّهون بطولة أولئك الأبرار من الجيش اللبناني الذين ارتضوا لأنفسهم الفداء لتبقى لهذا الوطن عزَته وسيادته.