في غضون أسبوعين قرأت نصّين للعلامة السيد هاني فحص نشرتهما جريدة “المستقبل” اللبنانية. وهما عبارة عن رسالتين موجهتين الى قيادة “حزب الله”.
لا أخفي مقدماً أنني من المعجبين جداً بكتابة العلامة المناضل السيد هاني فحص أسلوباً ومضموناً، في السياسة والأدب والشعر. ولكن ما زاد فضولي لقراءة الرسالتين هي المسافة الزمنية القصيرة التي تفصل بينهما، الاولى في 2014/7/24، والثانية في 2014/8/6، لأكتشف أن السيد هاني استشعر الخطر الكبير مما يدور حولنا وعندنا من أحداث خطيرة تكاد تفتح أبواب جهنم على الجميع من الموصل الى عرسال. فراح يلحّ بالوسيلة المتاحة على قيادة “حزب الله” كفريق أساسي معني بتلك الأحداث، ويشد انتباهه الى المنزلق الخطير الذي تتجه اليه عجلات مركبته، والذي ينذر بأوخم العواقب على الحزب والطائفة ولبنان بعدما تعطلت على ما يبدو لغة الحوار المباشر بينهما.
لفتني، كم كان السيد، جريئاً، شفافاً ومسؤولاً في مخاطبة قيادة الحزب. جاء توقيت المخاطبة في لحظة سياسية حرجة مع بلوغ المشهد السياسي على امتداد الساحة العربية ذروة التوتر المذهبي، وطغيان العصبية فيها على العقل، واقتراب الجميع من حافة الهاوية.
حَمَلت الرسالتان الى “حزب الله” كل معاني الود والتقدير، وأصدق التعابير عن الشركة بالمسؤولية عن مصير الحزب نفسه وعن مصير الطائفة والوطن ايضاً… والسيد لم يتملّق الحزب في مخاطبة قيادته، ولكنه كان من الضالعين في قول الحقيقة للصديق تحديداً.
فالصديق من صدقَك وليس من صدّقك، ولذا كان ناقداً صادقاً لسياساتٍ وممارساتٍ أعتقد أن “حزب الله” قد تمادى في سلوكهما وتكبّد وكبّد اللبنانيين الشيعة وتالياً لبنان الوطن خسائر بشرية ومادية باتت تنذر بخراب البصرة إذا لم يجرِ تداركها.
اتصلت بالسيد هاني، فأثنيت على موقفه، وسألته عن ردة فعل قيادة “حزب الله”، فأجاب: على ما يبدو أنهم خارج السمع.
مؤسف الأمر، أنا أيضاً كالسيد هاني تجمعني صداقات وعلاقات مع عدد من قيادات الحزب وكوادره يعود بعضها إلى وقت التأسيس 1982. ولم أبخل يوماً في تقديم النصح لهم بالسر والعلن، لكن لم ألقَ دائماً الآذان الصاغية.
إن التطورات كشفت مدى انخراط “حزب الله” في مشروع إقليمي يتخطى حدود المصلحة الوطنية اللبنانية، بعدما تجاوز وثيقته التأسيسية عام 1985 التي حملت مشروعه لإقامة الدولة الإسلامية في لبنان، إلى الالتزام بدستور اتفاق الطائف والإقرار بلبنان وطناً نهائياً لكل أبنائه.
وجاء انخراط الحزب طرفاً في الحرب الأهلية السورية تجاوزاً إضافياً لمرجعية الدولة وتسعيراً إضافياً للصراع المذهبي الممتد من الموصل الى حمص الى درعا والقلمون وعرسال…
وكانت لسياسة الحزب تلك نتائج مؤلمة عليه وعلى الطائفة الشيعية وعلى لبنان. ولا يكفي أن تكون قيادة “حزب الله” وحدها مقتنعة بما تقوم به وتسوق الحجج للدفاع عنه وتتجاهل كل تلك الأصوات الحريصة على المقاومة، وعلى دورها الحقيقي ضد الاحتلال الصهيوني والحريصة على وحدة المجتمع اللبناني ومصير ومستقبل لبنان في مواجهة الكنتنة والتفتيت والفدرلة الزاحفة الى المنطقة والتي لا تصبّ إلاّ في مصلحة الكيان الصهيوني، لأن تداعيات تلك السياسة، كما أشار السيد هاني في رسالتيه لا تنحصر بدائرة الحزب وحده، وإنما تتعداه الى جسم الطائفة الشيعية برمته والى الطائفة بكل أبعاده.
وكما ألمح السيد هاني في رسالتيه أن هناك فئة وازنة من خيرة أبناء الطائفة الشيعية تشاركه القناعة والهواجس. فلماذا لا تبادر قيادة “حزب الله” الى الاستماع الى آرائهم أفراداً وجماعات، بعدما تخطت القضية مصالح الحزب الى مصلحة الطائفة والوطن.
نداءاتك لن تذهب سدى يا سيد هاني، فإن لم تجد صداها اليوم، فهي عبرة للتاريخ…