#adsense

شحيم تحتضن إبنَها درويش..”الحرّية قدَر الأحرار”

حجم الخط

«بإذن الله راجعلنا يا كبير…، «حيّوا بطلكم وائل درويش»… سَكِرَ النصر من إنجازات المؤسسة العسكرية، وأبطالُها الجيوش لم يملّوا تحقيقَ البطولات، فكيف إذا كان ابنُها المحرّر من بلدة شحيم، التي يَعني اسمُها بالآرامية «فتح أبواب الجحيم على الأعداء إذا حاولوا غزوَها». وائل درويش (22 عاماً) جندي من بين العسكريين الخمسة الذين عانقوا الحرّية، بعدما كانوا قد خُطِفوا في بداية شهر آب خلال معارك عنيفة في عرسال بين الجيش ومجموعات إرهابية.

لا زغاريد النسوة كلّت ولا أيديهنّ تعبَت من رشّ الأرزّ والورد والمَلبَن، أمّا مَن فرغَت سلّتها، فحملت بعفوية متناهية علمَ لبنان تراقِصه أو صورةً للجندي علي درويش.

بدءاً من حفّة القصعة، مروراً بالسهلة، وسوق شحيم وصولاً إلى الشريفة حيث منزل المحرّر درويش، عرس لا بل كرنفال على «مدّ عينك والنظر»، مفرقعات نارية، دبكات لبنانية، طبل وزَمر، حشود هائمة غصَّت بها الساحات فاعتلت الشرفات وسطوحَ الأبنية. فمنذ شيوع خبر تحرير ابن شحيم والفرحةُ تغمر الأهالي.

شقَّ درويش عبابَ يمّ المُحبين محمولاً على الأكتاف، ملقياً التحية يميناً وشمالاً، مَن تسنّى له الاقتراب منه، قبّلَ بِزّته العسكرية إجلالاً وتقديراً للمؤسسة العسكرية التي ينتمي إليها.

إستغرقت المسيرة نحو ساعة ونصف الساعة، وكلّما بدت علامات الإرهاق على وجه درويش الذي حرصَ على رفع راية لبنان بيَدٍ، وبالأخرى علمَ الجيش اللبناني، استوقفَه حاجزُ محبّة من الأهالي، إمّا لمعانقته، أو لتقديم له ما يروي به غليله، ويُخفّف من العرق المتصبب منه.

عناقٌ أبكى الحاضرين

كان من السهل الاستدلال إلى منزل وائل، ولو أنّه في آخر طريق فرداوية ضيّقة، فالمُحبّون أبوا إلّا أن يشكّلوا محطات استقبال كلٌّ أمامَ بنايته، مُردّدين، «هونيك بآخر الطريق بيت وائل».

أجواء المنزل لم تقلَّ حرارة عن الصخب العارم خارجاً، الجميع على أعصابه، «وين صار وائل؟»، «إجا وائل؟»… «يلا يا وائل فقَع قلبنا»… وغيرها من ردود الفعل الصادقة.

«أبو وائل» الوحيد جلسَ صامتاً في صدر البيت المتواضع، يتأمّل منتظراً دخولَ ابنه، ويتألّم مِن وضعِه الصحّي المتدهور، وكلّما بادرَ للردّ على أدعية المهنئين اغرورقَت عيناه بالدموع… مع اقتراب قرعِ الطبول من المنزل، تسارعَت دقّات قلب الوالد المُقعَد وارتجفَت يداه.

بعد طول انتظار، تمَّ اللقاء، عناقٌ دام لدقائق معدودة إهتزّ له أثاثُ المنزل، عناقٌ عصرَ قلوبَ الحاضرين، وفجَّر دموعَ الوالد الذي سرعان ما حضنَ إبنَه حين اقترب منه يجثو أمامه ليقبّل يديه.

سرعانَ ما انضمَّت مهى، أم وائل، لهذا العناق الحار، فاقتربَت تكفكف الدموع من عيون زوجها، أمّا وائل فحاولَ تقديمَ الماء لأبيه ليشربَ، علّه يُهدّئ من روعه.

ووسط تزاحُم الأهالي تحدّثَ درويش بطريقة عفوية أمام الصحافيّين، قائلاً: «الحمد لله أنّني رجعتُ الى البيت، فقد اشتقتُ إلى أهلي كثيراً، وأتمنّى إطلاق جميع رفاقي وفكَّ أسرِهم. وأشكر أهالي بلدتي وإقليم الخرّوب والوطن على هذا الاستقبال الذي لم أكن أتوقّعه، فالحمد لله نحن محبوبون في البلدة والإقليم»، وشكرَ الشيخ أبو مالك والشيخ مصطفى الحجيري، وكانت الساعة لم تتجاوز العاشرة صباحاً.

التنسيق مع الخاطفين

خالُ المحرّر وائل، نجم الدين وابنه وشقيقه، كانوا أوّلَ مَن ذهبوا لاسترجاعه، فيروي نجم الدين لـ«الجمهورية» تفاصيلَ استرداد إبن شقيقته: «تبلّغنا اتصالاً مساءَ السبت من رجل يُدعى أحمد يخبرنا بأنّه يمكننا استرجاع وائل. لذا توجّهنا عند الثالثة فجراً لنصل عند الثامنة إلى محيط عرسال.

واجهتنا صعوبات على الطريق نتيجة التدابير الأمنية. لدى وصولنا إلى النقطة المتّفق عليها إتصلنا بأحمد، الذي وجّهنا إلى مكان إلتقينا فيه مصطفى الحجيري الذي رحّب بنا. كنّا أوّل الواصلين، وكان معه 4 عسكريين، وعنصر من قوى الأمن، وكان للحجيري كلمة حملت دعوة إلى أن نكون على مستوى الوطن». ونفى نجم الدين أن يكون تلقّى أكثر من إتصال، قائلاً: «الحمدالله لم تشهد الاتصالات أيّ محاولة لحرقِ الأعصاب، أو حرب نفسية، سارت الأمور على خير ما يرام».

وعن رأيه في مشاهدة وائل للمرّة الأولى بعد تحريره، قال نجم الدين: «كان يرتدي بزّته العسكرية، وأخبرَنا بأنّه لم يتعرّض لأيّ أذى، إنّما معظم الوقت مغمَض العينين، لم يعرف الوجهات التي تمّ نقل المخطوفين إليها».

وائل لزملائه المحتجَزين

قليل الكلام بدا وائل تجاه الأسئلة الدقيقة المرتبطة بتفاصيل اختطافه، وخصوصاً لدى سؤالنا: كيف كانت معاملة الخاطفين لكم، فأجاب: «الحمدالله لم نشهد شيئاً مسيئاً». وأعربَ في حديث لـ«الجمهورية» «عن سعادته بالإستقبال والتضامن الذي أبدَته منطقة الإقليم برُمّتها». وعن الرسالة التي يوجّهها إلى زملائه المحتجَزين، صمت قليلاً، ثمّ قال: «أتمنّى أن يفكّ الله أسرَهم قريباً، والله لا يحرم أم من ولدها».

«نكافيكن بالأفراح يا ربّ»، تردُّ مهى على تحيّة المهنّئين، وفي ذروة انهماكها في تقديم الحلوى والعصير للحاضرين، تحدّثت لـ«الجمهورية»: «أشعر وكأنّ وائل وُلِد من جديد، لا بل كأنّني أزفّه عريسَ الحرّية وعريس مؤسسة الشرف والتضحية والوفاء».

بعينين خضراوين تنضحان حياة، تضيف: «لا أنكر أنّني عشتُ فترة عصيبة، على أعصابي، من دون أيّ علم وخَبر، ولكن الله فرجَها على عبيده، وأتمنّى لو يفرّج عن قلوب جميع الأمّهات. لا أحد يفهم لوعة الأم، فهي تنشغل لأدقّ تفاصيل أولادها».

يُجمع أهالي شحيم والبلدات التي استقبلت أبناءَها المحرّرين، على أنّ الفرحة «ناقصة ولا تكتمل إلّا بتحرير جميع الجنود المخطوفين».

في الختام، وعلى حدّ تعبير الشاعر طلال حيدر: «إذا الظلم بيربح جَوْلة، الحرِّية قَدَر الأحرار…»، وإذا كانت الحرّية قدر المؤسّسة العسكرية، فالنصر حليفها لا محالة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل