البطولة في عرقلة الفتنة لا في عرقلة انتخاب رئيس!

في بلد مثل لبنان، يعيش تقريباً منذ نشأته على خط الزلازل الطائفية والمذهبية والسياسية والتوسّعية، وطمع الاقربين والابعدين به، يفترض بأهله على مختلف انتماءاتهم، ان يكون العقل عندهم، والشعور بالمسؤولية والخطر، وتقديم المصلحة الوطنية، والحرص على صيغة العيش المشترك، هي التي تحكم تصرفاتهم وقراراتهم في مثل الايام الصعبة والبالغة الخطورة التي يمرّون بها منذ مدة ليست بالقصيرة، بعيداً من التشنج المتفلّت والتعصّب الاعمى، والتصرّف الغريزي، واعتماد الاحكام المسبقة في حق الافراد والجماعات، ووجوب السيطرة على الفعل وردّات الفعل، التي تتغذّى امّا من الجهل، وامّا من اعداء هذا الوطن الذين يحوكون المؤامرات ويخلقون الفتن، ويزرعون الشائعات، في الارض الخصبة.

بعد احداث الضنية، ونهر البارد، وعبرا، وبيروت، وجبل لبنان، والتفجيرات في مناطق مختلفة من لبنان، والتي طاولت الابرياء، والناس البسطاء الطيبين، مثلما طاولت شخصيات وقيادات لها اياد بيضاء وتاريخ نضال في مجالات اعمالها، كان يفترض باللبنانيين ان يفهموا الدرس جيداً، وان يقرأوا في شكل صحيح العبر من كل ما مرّ بهم، ويعرفوا ان يميزوا الخطأ من الصواب في اي كلمة يقولونها او اي تصرّف يقومون به، بنيّة طيبة احياناً او عن غباء وجهل احياناً اخرى، او انقياداً وراء اعلام موجه من شريرين او من فاقدي الاهلية، او من الاثنين معاً، وهذه الحالة المرضية تجلّت بوضوح اثناء احداث عرسال وما لحقها من تداعيات، خصوصاً في ما يتعلق بالجنود الذين تم اختطافهم في اول يوم لهذه الاحداث، على يد جماعات ارهابية منحرفة باعت نفسها للشيطان، على الرغم من انها تحمل راية «لا اله الاّ الله» وهو القول الذي يجمع عليه المسيحيون مثلهم مثل المسلمين. ويمكن القول بكل صدق وصراحة، ان الطريقة التي عالج بها معظم الاعلام قضية المخطوفين، لا تقلّ سوءاً، ان لم يكن اكثر، من معالجة الحكومة لها، التي كان يفترض بها ان تضع في مقدمة اولوياتها، ان حياة الجنود المخطوفين هي اغلى من اي شيء آخر، وخصوصاً اغلى من سجن مجرمين كسروا هيبة الدولة وكرامتها في اكثر من مرّة، كما ان اقدام بعض الشبان او الصبية على احراق الراية التي ترفعها عادة التنظيمات الارهابية التكفيرية وبعض الدول الاسلامية، في قلب المنطقة ذات الاكثرية الشعبية المسيحية، يدلّ على أمر من اثنين، امّا انه ناتج من حماس وجهل وغباء، وامّا انه عمل مشبوه يقصد ايقاع الفتنة بين المسيحيين والسنّة، وردود الفعل السريعة في طرابلس والكتابات الاستفزازية على جدران بعض الكنائس، وتهديد حياة الجنديين المسيحيين المخطوفين، تشير الى الخطر الكبير الذي يمكن ان ينتج من مثل هذه الاعمال القادرة على توريط لبنان بمشاكل اضافية، يصعب تداركها بسهولة، والانكى من كل ذلك، ان توجيه الاتهامات السخيفة الى رجل مسؤول مثل الوزير اللواء اشرف ريفي، الذي أدرك سريعاً مدى خطورة هذا العمل، فقام بما يجب ان يقوم به كل مسؤول يحبّ لبنان وينادي به «أولاً بين الدول» بدلاً من شكره على كل ما قام به في الاشرفية وطرابلس.

* * * *

ان موقف اللواء ريفي المسؤول، هدفه وضع العراقيل امام الفتنة المتدحرجة من جبال القلمون وعرسال على لبنان كله، وقد تبعه موقف سياسي وطني من العيار الايجابي الثقيل اطلقه رئيس كتلة نواب تيار المستقبل فؤاد السنيورة من قلب الاشرفية، عندما قال للمسيحيين «انتم اقرب اليّ من ولاية الفقيه وخلافة الموصل، فأنتم تشبهون لبنان، ومع امثالكم نريد ان نبني معاً الحفاظ على الدولة».

في نهاية الامر، لا اعرف اسباب «كربجة» هذه الحكومة، سوى أنها غير مؤهّلة، لتقوم بدور رئيس الجمهورية، لأنها ملزمة ربما، باعطاء 28 وزيراً حصة صغيرة من صلاحيات الرئيس، ولأن حكومات ما بعد الطائف تعوّدت الحصص، فمن الطبيعي وقوع خلافات على الحصص، يدفع ثمنها اللبنانيون والجيش والجنود المخطوفون.

البطولة ليست في عرقلة انتخاب رئيس وتجويف المؤسسات، بل في عرقلة تدحرج الفتنة الطائفية، وجرّ لبنان الى الكارثة.

المصدر:
الديار

خبر عاجل