سياسة واشنطن الخارجية “لن تبقى ثابتة، لأنّ سِمتَها البراغماتية”، ولكن على المدى المنظور لا يتوقّع الدبلوماسي الأميركي من أصل لبناني وليد معلوف، في ظلّ إدارة الرئيس باراك أوباما الديموقراطية، إستراتيجية فعّالة لمواجهة خطر”داعش”، مُحمّلاً سيّد البيت الأبيض مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، بفعل إنكفائه عن قضايا الشرق الأوسط، بخلاف سَلفه الجمهوري جورج بوش.
في خِضمّ الحديث عن توجّه الإدارة الأميركيّة إلى كشف استراتيجيّتها لمُواجهة تنظيم “الدولة الإسلاميّة” في سوريا، يتّهم معلوف الرئيس الأميركي بـ”الفشل”، ويرى أنّ “غلطة أوباما المفصلية تتمثّل في أنّه اكتفى بتسليم ملف الأسلحة الكيماوية إلى الأمم المتحدة، وبالتالي هذا ليس حلّاً للأزمة السورية”.
ويقول معلوف في ندوة نظّمَها نادي وبلدية دوما في شمال لبنان، مسقط رأس والدته، تحت عنوان “العلاقات اللبنانية – الأميركية”: “لو وضعَ أوباما استراتيجية جيّدة، لَما كنّا وصلنا اليوم الى خطر داعش، فتجاهُله للشرق الأوسط قاد الى توسّع رقعة نفوذ الجماعات التكفيرية”.
وينتقد المدير السابق للدبلوماسية العامة لشؤون الشرق الأدنى في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية طرحَ أوباما الأخير بشأن إمكان إسقاط تجربة الصحوات السنّية السابقة في العراق على سوريا.
ويقول: “يحاول أوباما أن يظهر أنّه يساعد، لكنّه في الواقع يحفظ ماء وجهه، هذه ليست خطة فعّالة، وقد ثبتَ فشلها في العراق”.
فالرئيس الأميركي “كالنعامة التي تدفن رأسَها في الرمال، وهو ليست لديه إستراتيجية”، في حين أنّ “المطلوب ليس تسليح العشائر بل الجيش السوري الحرّ لدعم الثورة والجناح المعتدل فيها”، على حَدّ تعبيره.
أمّا تدخُل واشنطن لحماية الأكراد في كردستان العراق، فهو “نتيجة حتمية للثقة المتبادلة والعلاقة التاريخية بين الأكراد والولايات المتحدة، حيث يملك الأكراد حضوراً قويّاً، وعلاقات إقتصادية، وتمثيلاً قنصليّاً مستقلّاً عن سفارة العراق”.
ويستغرب مَن يعتبرون “داعش” صناعة أميركية. ويقول: “لا يمكن للولايات المتحدة أن تدعم منظمة إرهابية، ولكنْ كان يُفترض بأوباما أن يحرّك أُسطوله لحماية الناس من خطر الجماعات المتطرّفة”.
ويَعتبر أنّ ظهور “داعش” هو نتيجة فشل سياسات الدوَل العربية، إلّا أنّه يرى أنّ الشيء الإيجابي الذي خلقته هو “كسر هيمنة إيران على العراق”. ويقول: “جاء الرئيس السابق جورج بوش إلى العراق ليحرّرهم من بطش صدّام حسين، العراقيون أنفسُهم حوّلوا بلدَهم إلى لعبة في يد إيران، هم تخلّوا عن العيش المشترك، مشكلتنا أنّنا نضع دائماً الحقّ على الغير”.
الحزبان الجمهوري والديمقراطي
ويميّز معلوف بين سياسة الحزبين الجمهوري والديموقراطي. وفي نظره أنّ “أبرز الرؤساء الذين نجحوا هم الجمهوريون، لأنّهم يعطون الأولوية للسياسة الخارجية، ولديهم خبرة في هذا المجال، وتُعاونهم ماكينة سياسية تنتقل مع كلّ رئيس وتساعده في فهم القضايا العالمية”.
في المقابل لا يملك الحزب الديموقراطي خبرةً مماثلة، وتركيزُه يَنصَبّ على تأمين دولة الرفاه وقضايا داخلية.
ويُذكّر بأنّ الرئيس السابق الديموقراطي بيل كلينتون “وعدَ كثيراً بتخليصنا من الوصاية السورية لكنّه لم ينجح، فمعضلة الديمقراطيين خوفهم من الشرق الأوسط”.
وأبلغُ دليل على أنّ السياسة الأميركية “لا تظلّ ثابتة وهي براغماتية إلى أقصى الحدود”، هو التغيير في الموقف الأميركي من سوريا، بعد لقاءِ نائب وزير الخارجية الأميركية ريتشارد ارميتاج بالرئيس السوري بشّار الأسد، وطلبِ واشنطن أن تستخدم الأجواء السورية لضرب العراق عام 2003، لكنّ الأخير رفض، ومنذ لحظتها بدأت السياسة الأميركية تتغيّر.
فمجيء بوش فتحَ نافذة لتغيير سياسة الولايات المتحدة تجاه لبنان، وبدأ العملَ في أروقة الأمم المتحدة بعد تعيين بوش لمعلوف ممثّلاً للولايات المتحدة في الجمعية العمومية في عام 2003. وقد كُلّف معلوف من قِبل نائب وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، جون نغروبنتي، بمعاونته في ملف الشرق الاوسط، وعلى وجه التحديد سوريا، وكان له صولاتٌ وجولات مع ممثّل سوريا في الأمم المتحدة في حينها فيصل المقداد، وساهمَ في وضع مسوّدة القرار 1559.
أمّا اليوم فلا يزال الموقف الأميركي الرسمي تجاه لبنان في نظر معلوف “ممتازاً” ولا سيّما مع بدء تنفيذ الوعود والاتفاقات بتسليح الجيش اللبناني. فدعمُ واشنطن للجيش اللبناني “ليس جديداً، وهو دليل على أنّ الإدارة الأميركية تدعم المؤسسات وليس فريقاً معيناً، وهو نتيجة جهود لوبي قوي في واشنطن داعم للبنان ولجيشه، لأنّ لا خيار إلّا بدعم هذه المؤسسة الوطنية لحفظ بلد الأرز”.
ويرى معلوف أنّ استقرار لبنان يبقى أولوية في ظلّ الفوضى التي تعيشها المنطقة بفعل مظلة التوافق دولي. ويعتبر أنّ هناك 3 قرارات دولية: 1559 و1701 و1680، وهي بمثابة صكوك ملكية في يد الشعب اللبناني ويجب ضمان تنفيذها.
ولا يزال الشاب الذي بدأ رحلته الى الولايات المتحدة عام 1979 يحمل لبنان في قلبه ووجدانه،ويتطلّع إلى أن يصبح لتجمّع رجال الأعمال في لبنان كلمة مسموعة في السياسة، على غرار ما هو عليه الوضع في أميركا.
ويُذكّر بأنّه حين قرّر خوض غمار العمل السياسي في لبنان التقى أحد رؤساء النوادي في الشوف الذي نصحَه إمّا بالسير بالنمط السائد وتقديم تبرّعات هائلة للبلدة وإمّا بالعودة إلى أميركا.
3 شروط لخَلاص لبنان
ويرى معلوف أنّه ينبغي توافر ثلاثة شروط ليصبح لبنان دولة ذات سيادة ومستقرّة. ويقترح وضعَ قانون إنتخابي قوامُه 128 دائرة، بحيث يحقّ لكلّ لبناني انتخاب مرشّح واحد، وعند فرزِ الأصوات الناجحون هم الذين حصلوا على أعلى نسبة في الأصوات بناءً على الكوتا الطائفية، بمعنى إذا نجحَ أكثر من ثلاثة كاثوليك وفي الكوتا فقط حصتهم نائبان، يفوز المرشّحان اللذان حصلا على أعلى نسبة من الأصوات.
إلى جانب ذلك، يقترح معلوف تشكيلَ لجنة من الاغتراب اللبناني من محامين وقضاة لتعديل الدستور اللبناني، وتحديثه ليصبح أكثر مواءمةً مع مفهوم الدولة العصرية.
ويبقى وضع المخيّمات الفلسطينية الذي يتطلّب “مقاربة مختلفة، كونه يشكّل عبئاً اقتصادياً واجتماعياً دائماً على لبنان”. ويختم بدعوته إلى ضرورة مساعدة اللاجئين الفسلطنيين على “إيجاد حياة أفضل”، مقترحاً تشكيل “لجنة من الدولتين اللبنانية والفلسطينية بالتعاون مع الأمم المتحدة، لتنظيم هجرتِهم إلى دوَل أخرى، وإراحة لبنان من هذا العبء المزمِن”.