يشكِّل البيانُ الختاميّ للخلوة العاشرة لـ “لقاء سيدة الجبل” مع توصياته الخمس، محطةً في مسار الأحداث لا يمكن للمرء الا أن يتوقف عندها. فعدا كون اللقاء تحوَّلَ من لقاء مسيحي الى لقاء عابر للطوائف كما للحدود اللبنانية، استطاع أن يقوم بأهمّ ما ينقصُ المسيحيين في لبنان والعالم العربي، عنيتُ به محاولةَ استعادة الدور المفقود. ذلك أن الدور المفقود هو الذي يشكِّل الخطرَ الأكبر على المسيحيين. ففي معرِضِ ردِّه على الدعوة الى تحالف الأقليات المشرقية، يعيدُ “اللقاء” تصويبَ البوصلة، إذ لا يمكنُ لتحالف الأقليات الا ان يكون نهايةَ الأقليات. فيما المطلوبُ تحالفُ العقل مع العقل، وهذا هو بالتحديد دورُ المسيحيين المفقود في العالم العربي، وهو الذي ينقذُ المسيحيين وباقي الأقليات، كما ينقذُ الأكثرية من نفسها ومن ممارساتها وطروحاتها وجنوحها وطغاتها ومجانينها.
والبيان الختامي “للقاء” تكلَّم عن المشاركة أيضاً وهي نقيض الذميَّة السياسية، وبذلك يكونُ قد حدَّدَ لاءَين أساسيَّتين: لا لتحالفِ الأقليَّات ولا للذميَّة السياسية. وقد أصاب في ذلك إذ لا اتزانَ في الحياة السياسية الا بظلِّ هاتين اللاءين. فتحالفُ الأقليات يُنهي الوجودَ والذميةُ السياسة تلغي الدورَ والفاعلية، ولا خروجَ من هذَين الخطرين الا بالمشاركة السياسية السَوِيَّة.
لقد نجح “اللقاء” في رفض التمييز بين إرهاب وآخر، وفي التأكيد على أن الإرهاب يطال الأكثرية كما الأقليات، وفي رفض تحالف الأقليات، وفي رفض الحلول الخاصة بمشاكل المسيحيين، وفي ضرورة تعميم التجربة اللبنانية، لكنه بالتأكيد قصَّر في تحديد الدور المسيحي. فالدور المسيحي لا يكون فقط بالشراكة وإنما أيضاً وخصوصاً بالريادةِ الفكرية التي حَمَت العروبةَ وحرفَها ولسانَها ورسمَت لها آفاقاً واسعةً في السابق، وهي مدعوةٌ اليومَ وبإلحاح ٍالى إحداثِ نهضةٍ سياسيةٍ وأخلاقيةٍ وثقافيةٍ تُخرِج شرقَنا العربي من شرنقة التطرُّف الى رحابَة الفكر والحرية.
وفي النهاية لا بد لي من الملاحظة أن هذا البيان بما ينطوي عليه من تبصُّر وحكمة سياسية ومن عمق معرفة بأمور لبنان والمنطقة، يبقى حبراً على ورق إن لم يُفلح في تحويل توصياته الى فعلٍ مؤثِّر في الواقع السياسي. وهنا العبرةُ كلُّ العبرة.