
افتتاحية “المسيرة”: التهويل بـ”داعش” يكاد يفوق خطر “داعش” نفسها، وكأن اللبنانيين عموما والمسيحيين خصوصاً لم يختبروا على مر تاريخهم القريب والبعيد ما هو أخطر من “داعش”، ولم يدفعوا الثمن بأرواح شهدائهم كي يبقوا أحراراً كراماً.
فالمهوّلون يعتقدون أنهم بتهويلهم على المسيحيين يقنعونهم بأن عليهم طلب الحماية من نظام أو طائفة أو حزب، وكأنهم أهل ذمة، وقد فاتهم أن المسيحيين في لبنان كانوا وراء الكيان اللبناني وطناً ودولة ونظاماً كي يكونوا فيه مواطنين كاملين لهم من حقوق ما لسواهم بالتساوي.
لقد سقط الشهداء منذ اللحظة الأولى في عين الرمانة ومثلث الصمود، وفي الأشرفية برصاص القنص وصواريخ الراجمات، مروراً بذرى صنين وعيون السيمان والجبل والكورة وشكا وبللا وقنات وزحلة وبحمدون والقاع ومجدليا والقبيات، كي لا يأتي من يقول لهم “إدفع الجزية وأنت صاغر”.
لقد سقط الشهداء في وجه “داعشيين” قبل “داعش”. أتذكرون مجزرة الدامور، أتذكرون ذبح رهبان دير عشاش؟ أتذكرون المرتزقة الصوماليين والباكستانيين والليبيين والعراقيين، وكيف كان بعضهم يحمل السيوف، وكم من الأبرياء سقطوا بضرب الفؤوس، وكم من البلدات هُجِّرت وكم من المسيحيين رُمُوا في الآبار أو قُتلوا غدراً أو إعداماً بالرصاص أو خُطفوا أو اغتيلوا وتُركَت جثثهم في صناديق سياراتهم؟؟!!
أجل “القوات اللبنانية” بما تمثل من تجسيد حي ومستمر للمقاومة اللبنانية وامتداد للمقاومة التاريخية، هي القيّمة على إرث الشهداء وهي التي تعرف معنى الشهادة، ولا تنتظر من أحد أي درس في كيفية الحفاظ على المسيحيين.
إن الحفاظ على المسيحيين يكون بعدم أخذهم بفزاعة “داعش”، وعدم دبِّ الذعر في قلوبهم وجرّهم إلى خيارات تدميرية مجنونة. إن المسيحيين في لبنان لن يختاروا إلا الدولة ومؤسسات الدولة ليس لحمايتهم، بل لحماية الجميع وحماية السلم الأهلي وحماية الوطن من كل مؤامرة داخلية أو اعتداء خارجي.
لقد سقط آلاف الشهداء ومعهم عشرات آلاف الأبرياء، كي تكون دولة وقانون وحرية وعدالة. لقد سقط الشهداء كي نستعيد الجمهورية وكي يكون للجمهورية رئيس، وكي يستقيم عمل المؤسسات، وكي تنعم الأجيال الحالية والمقبلة بالطمأينة والإزدهار.
إن قضية مضمّخة بدماء الشهداء ومجلّلة بأرواحهم ومعطّرة بذكراهم أرفع من أن تسقط في وحول الأنانيات السلطوية والإرتهان لمشاريع الأنظمة الديكتاتورية والإلغائية، وبالتأكيد لن تسقط في فخ الترهيب والإرهاب بأشكاله “الداعشية” و”المستدعشة”.