تتوالى المواعيد، والدعوات الى الانتخاب، ويبقى القصر فارغا. لم تشفع كل الازمات والويلات التي يمر بها لبنان وابناؤه في جعل اللاعبين في الداخل، يفصلون ملعب لبنان عن الملاعب الاقليمية وكراتها النارية. الجميع ينتظرون الاشارة، ويتقنون فن المماطلة وامرار الوقت الى حين تدق ساعة الارادة التي ستفرض عليهم واقعا جديدا.
في هذا الوقت الضائع، ماذا ينتظر “التيار الوطني الحر”؟ والى اين ستصل جبهاته المفتوحة على الجميع؟ اسئلة قد تجد اجاباتها لدى عضو تكتل “التغيير والاصلاح” النائب ألان عون.
■ كيف يمكن ان تنعتوا دعوة فريق لبناني إلى التشاور والسعي الى التوافق بأنها كلام ممجوج؟
– المبادرة التي طرحت لم تأت بأي جديد. معروف ان ترشيح الدكتور سمير جعجع لا أفق له، والدليل انه سبق ان جرب ولم يصل الى نتيجة، وهذا يعني انهم لا يسحبون احدا ليطالبوا بمقابل. لا تزال المقاربة سطحية. مشكلة الرئاسة اليوم لها بعد اكثر من مجرد اشخاص، المسيحيون يطلقون صرخة تنادي بتغيير النمط الساري في اختيار رؤساء الجمهورية منذ الطائف، إما بآلية الاختيار، او بنتيجة الاختيار، او بمواصفات الرئيس، والاجابات التي نتلقاها ليست في مستوى المشكلة الجوهرية التي طرحناها.
■ الآلية التي تطرحونها تتطلب تعديلا دستوريا، لماذا انتظرتم حتى اليوم لاقتراحها؟
– يمكن التغيير من ضمن تسوية تحترم مواصفات رئيس الجمهورية الذي نطمح اليه. الاجابات يجب ان تكون على قدر البعد الذي تأخذه الرئاسة هذه المرة، والامر يتخطى موضوع الاشخاص. كان المفترض ان تعطي “قوى 14 آذار” اجوبة عن الهواجس المسيحية التي نطرحها وهي: اي نوع رئيس نريد، اي مواصفات ، وعن الآلية التي تسمح بالاتيان برئيس بهذه المواصفات، من دون الدخول بلعبة الاسماء. لكانوا هكذا قدموا شيئا جديدا. لذلك لم نعتبر ان هناك فعلا طرحا يرتقي الى فتح ثغرة في جدار الازمة الرئاسية.
■ لكن حليفكم “حزب الله” أقر بأن لا انتخاب من دون توافق. اذن انتم محكومون به؟
– لانقول ان هناك انتخاباً من دون توافق، والدليل انه لم يحصل انتخاب حتى الان. الواضح ان التوازنات الحالية في البلد، والآلية التي تتطلب توافق الثلثين لحصول النصاب ومن ثم اكثرية عادية لانتخاب رئيس، لا تسمح الا بانتخاب رئيس بالتوافق، ومصلحة لبنان هي اساسا بالتوافق بما ان هذا الموقع هو موقع جامع ويجب الا يأتي على حساب احد، ولكن طبعا توافق بالحد الادنى بين كبار ممثلي المكونات اللبنانية او اكثريتهم، اذا لم يمكن التوصل الى اجماع.
■ مالذي يمنع هذا التوافق الآن؟
– ما يمنعه هو الطرح السلبي من الآخرين، يقولون: لا نريد فلانا، ولا نريد تغيير مواصفات رئيس الجمهورية، ولا تغيير آلية انتخابه، ولا فتح صفحة جديدة فعلاً في التعاطي والمسيحيين في الاستحقاق الرئاسي. عمليا كلها اجوبة سلبية ولم يأت اي رد ايجابي.
■ ما هي المواصفات او المعايير التي تطلبونها؟
– نحن في نظام سياسي يمنع وصول اي رئيس جمهورية له تمثيل مسيحيي، لان التوازنات في البلد تسمح بوضع فيتوات متبادلة تمنع وصول اي رئيس ذي تمثيل مسيحيي، وذلك يكون الجميع تحت امر واقع، اما انتخاب شخص من خارج كل هذه الاصطفافات والصفات التمثيلية، او لا امكان لانتخاب رئيس. بصرف النظر عن الشخص، في رأينا يجب ان يخرج الاسم من الارادة المسيحية، اذا ارتأت هذه الارادة او اكثرية المسيحيين فلانا، او تنازلوا لشخص ما، فيجب ان يكون الامر بارادتهم، وأن لا يكون مفروضا من الاخرين.
■ لكن المسيحيين لا يتفقون!
– هناك اكثرية مسيحية يمكن ان تتفق، لا يمكن الحصول على اجماع عندهم بسبب التعددية السياسية لديهم، وهذا واقع لا يمكن تغييره لانه موجود في ثقافة المسيحيين، اذا لا يمكن ان يختبىء احد وراء عذر الاجماع المسيحي لانه حجة واهية، بل هناك اكثرية مسيحية يجب احترامها، مثلما نحترم الاكثرية لدى الطوائف الاخرى.
■ ومن يحدد هذه الاكثرية؟
– فلتحددها آلية انتخاب. اذا لم يعتبروا الانتخابات النيابية كافية، فلتحددها آلية جديدة تقوم على انتخابات نيابية جديدة، تنتج اكثرية مسيحية جديدة يحترمونها، او فليتم التغيير في آلية انتخاب رئيس الجمهورية ليأتي منتخبا من جميع اللبنانيين، لكن له صفة تمثيلية عند المسيحيين. فليختاروا الطريقة التي يريدون. نحن لا نقول انا او لا احد، بل نقول حددوا طريقة لكي نستطيع ان نقول انه صحيح ان رئيس الجمهورية هذا اتى بالمواصفات التوافقية المطلوبة، ولكن مطلوب منه ان يراعي حدا ادنى من الارادة المسيحية. وهذا ليس متوافرا حتى اليوم.
■ ألا تعني مبادرة قوى 14 آذار عمليا انها غير موافقة على وصول العماد ميشال عون الى سدة الرئاسة؟
– لا نمنع احدا من التعبير عن رأيه. كل كتلة سياسية في قوى 14 آذار، بالجملة وبالمفرق، يجب ان تعبر عما هو مقبول او مرفوض لديها. لم نعد نريد حوارا مبهما وغير مباشر. المطلوب في هذه المرحلة حوار صريح، وموضوع رئاسة الجمهورية على اهميته يتطلب حوارا صريحا بين المكونات الاساسية في البلاد، والصراحة تقتضي اذا كان لاحد رأي سلبي ان يعبر عن ذلك بوضوح وليس مواربة.
■ هل وصل الحوار بين تياري “الوطني الحر” و”المستقبل” الى جدار مسدود؟
– وصل الى نقطة لا تقدم فيها. لم تعلن نتيجة سلبية، ولكن في الوقت ذاته وصل الى مكان لا يمكنه التقدم في موضوع الرئاسة. هناك تباين في المقاربة بين الجهتين، مقاربة “المستقبل” اكثر تكتيكية في التعاطي و”التيار” في ملفات محددة، على خلفية تسيير امور معينة عالقة في الدولة، من تشكيل حكومة وملفات حكومية وغيرها، فتسهلها هذه العلاقة. فيما مقاربتنا نحن كانت اكثر استراتيجية لتفتح صفحة جديدة في العلاقة بين السنة والمسيحيين، وأفقا أوسع للمرحلة القادمة في حال حصول اتفاق في ما بيننا. هذا التباين لا يزال قائما، لذلك لم يصل الحوار الى النتيجة المرجوة.
■ ما هو الثمن الذي يمكن ان تفاوضوا عليه؟ وما صحة ما يقال عن صفقة تشمل الرئاسة وقانون الانتخابات والحكومة وحتى قيادة الجيش؟
– لسنا داخلين في بازار نطلب فيه ثمنا. من يجب ان يقبضوا ثمن الاستحقاق الرئاسي هم المسيحيون في هذا النظام السياسي، فهم منذ العام 2005 في اعادة تصحيح الخلل الذي اصابهم على مدى 15 سنة خلال مرحلة الوجود السوري في لبنان. منذ ذلك العام نخوض معارك الشركة واعادة التوازن الى السلطات، خضناها في قانون الانتخابات في المرة الاولى بتحسينه من قانون الألفين الى قانون الستين وما زلنا مستمرين في خوضه، وفي عملية تشكيل الحكومات واحترام التمثيل المسيحي كما ونوعا داخلها، ونخوضها الان في عملية انتخاب رئيس الجمهورية. مثلما صححنا الاداء في ما يتعلق بتشكيل الحكومات وتمثيل المسيحيين فيها، ومثلما صححنا جزئيا ومستمرون في الدعوة الى تصحيح التمثيل المسيحي في المجلس النيابي، نخوض اليوم معركة تصحيح تمثيل المسيحيين في الموقع الرئاسي.
■ وهل مجرد وصول العماد ميشال عون الى سدة الرئاسة يصحح كل هذه الامور؟
– بالمواصفات التي يملكها، اكيد.
■ كيف؟ واذا كان من دون صلاحيات فكيف سيعمل؟
– ما الافضل ان يكون بدون صلاحيات وبدون تمثيل؟ عندما يصل رئيس بصفة تمثيلية واسعة نيابيا ووزاريا، يختلف وضعه في المعادلة كليا عن رئيس يأتي من خارج الاصطفافات. سؤال برسم جميع اللبنانيين، وفي مقدمهم المسلمون: ماذا يريد المسلمون؟ هل يريدون رئيسا فوق الاصطفافات، وفوق كل المؤسسات والقوى السياسية، ومن دون صفة تمثيلية للمسيحيين فقط، ويأتي فعلا للجميع؟ اذا ارادوا ذلك فليتفضلوا ويعدلوا الصلاحيات، لاعطائه صلاحيات هذا الرئيس المحايد الذي هو فوق الجميع بمن فيهم المسيحيون. واذا ارادوا رئيسا بالصلاحيات الحالية، فعليهم ان يعطوه على الاقل الصفة التمثيلية. عمليا المسلمون يعطوننا الآن رئيسا من دون صفة تمثيلية، ومن دون صلاحيات.
■ انتم اكبر كتلة مسيحية في المجلس النيابي ولم تقدموا مرة اقتراح قانون يطالب بتعديل او استعادة صلاحيات رئيس الجمهورية بما يعطيه هذا الموقع القوي. لماذا؟
– الموضوع مدروس ومشغول وجاهز لطرحه في الوقت المناسب.
■ متى سيحين الوقت؟
– طرحنا اخيرا تعديل آلية انتخاب رئيس الجمهورية، وليس تعديل صلاحياته في الدستور، وقامت الصرخة بوجهنا، واعتبرها البعض انقلابا على الطائف. وحتى الرئيس ميشال سليمان طرح موضوع الصلاحيات في خطاباته قبل ان يغادر. ليس الموضوع لمجرد الكلام، بل يفترض تجاوب الآخرين معنا. وربما تكون هذه الازمة الرئاسية فعلا خاتمة احزان الازمات الرئاسية، لذلك يجب ان تطرح المشكلة في جوهرها، وان يكون لها اجوبة،، لكي لا نضطر بعد 6 سنوات او 12 او 18 سنة بعدها،للعودة الى المشكلة نفسها، ففي النظام والآلية الحاليين وبالنظر الى المتوقع من توازنات في البلد، لا ارى على المدى المنظور امكان اي فريق ان يأخذ ثلثي مجلس النواب وحده لكي يستفرد بقرار انتخاب رئيس للجمهورية. وما دمنا محكومين باتفاق الثلثين، فنحن في وضع صعب جدا يعرض الموقع الاول كل مرة لامكان الشغور، وهذا تلزمه معالجة اليوم إما من خلال آلية الانتخاب، او من ناحية معايير معينة تسمح للرئيس بان يفرض نفسه تلقائيا اذا كانت لديه المواصفات المطلوبة.
■ كل طروحاتكم تتطلب تعديلات دستورية، والمجلس النيابي لا يجتمع، ولبنان يمر بازمات سياسية واجتماعية خانقة. اليس هذا ترفا سياسيا ليس اوانه؟
– ابدا . الازمة تفرض الحلول الاستثنائية. لبنان في ظرف شلل وأفق مسدود، وكل القوى السياسية وصلت الى حال العجز وعدم التقدم في الموضوع الرئاسي، أليس الآن أوان طرح الحلول؟ عدلوا الدستور ليمددوا لاشخاص، الا يعدلونه لاخراج البلد من ازمة؟ في ظل الازمات تطرح الحلول الكبيرة الاستثنائية.
■ قدم الرئيس نبيه بري ترشيحه وغادر. هل تعتبرون ذلك لذر الرماد في العيون في ظل تأكيد الجميع ان التمديد حاصل؟
– كل فريق يحدد موقفه في موضوع التمديد، والى اي حد سيذهب في عملية اجراء الانتخابات او الذهاب الى التمديد. نحن سنتعامل مع الاستحقاق كأنه حاصل، ونتصرف على هذا الاساس، وهناك مهل قانونية يجب احترامها. اذا كانت هناك طبخة تمديد يجري تحضيرها ومتأخرة عن مواعيد الاستحقاقات القانونية، فسنشهد مسرحية شبيهة بتلك التي شهدناها في 2013 واعادة تكرار لسيناريو المهزلة، لانه عمليا هناك قرار اتخذته قوى سياسية عدة للتمديد، لكنها لا تملك جرأة الاعلان عنه بعد.
■ لماذا تصرون على الانتخابات النيابية قبل الرئاسية مع كل ما تتسبب به من اشكالات دستورية؟
– نريد رئيسا اليوم قبل الغد، ولكن اذا لم يجر هذا الانتخاب، ووصلنا الى مرحلة استحقاق الانتخابات النيابية فلماذا نطيّرها؟ نحن نطرح الانتخابات النيابية من باب ان تكون مخرجا للحل اي ان تسلم كل القوى السياسية مسبقا بنتيجتها على الساحة المسيحية، وتعتبرها عملية تأهيل او استفتاء مسيحي، تسمح في ما بعد باحترام الجميع ارادة المسيحيين في انتخاب الرئيس وقد تكون حينها مفتاحاً للحل. وفي كل الاحوال هناك حكومة تصريف اعمال لا تزال موجودة، ولا اشكاليات دستورية.لا