لن نتردد بالتصدي للمعتدين… جعجع: قطع رأس الجمهورية للتربع عليها جريمة كاملة ودواعش القفازات أخطر من الداعشية السرطانية

وصفَ رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع “داعش” بورمٍ سرطاني “ظهر فجأة في اجزاء مُحددة من سوريا والعراق، وما زال محصوراً وبالتالي قابلاً للإستئصال بسرعةٍ اذا ما تضافرت الجهود والإرادات على ذلك، ولقد تضافرت من خلال تحالف دولي عربي”، مشيراً الى “ان ظاهرة داعش تسير عكس التاريخ وعكس الطبيعة وعكس تطوّر الإنسان، وهي بالتالي تحمل في طيّاتها بذور فنائها، وكالنيران سوف تأكل نفسها بنفسها.”

واذ رأى “ان المشكلة في لبنان تكمن في ان البعض يريد تحويل الدستور الى حبر على ورق، علماً ان مفهوم الدولة الحديثة مُكرسٌ وواضحٌ في الدستور، إلا ان ثمّة من يقف حائلاً دون وضع اُسس هذه الدولة ومقوماتها موضع التنفيذ”، دعا جعجع الشعب اللبناني الى “اتخاذ قراره قبل فوات الأوان، ولننُقذ الجمهورية قبل ان تُصبح في خبر كان. لن نسكت، لن نحابي، لن نرتاح حتّى إجراء التغيير المطلوب وتحقيق حلمنا بوطن جميل نورثه من جيل الى جيل”.

وشدد على “انها جريمة سياسية كاملة أن يسعى البعض الى قطع رأس الجمهورية بهدف التربّع على رأسها، والى أخذ البلد رهينةً بهدف الحصول على موقع الرئاسة كفدية، إنها جريمة سياسية موصوفة ان تُفرغ الجمهورية اللبنانية من رئيسها المسيحي، في وقتٍ يتم إفراغ الموصل وسهل نينوى من أهلهما المسيحيين.”

واعتبر “انّ البعض يقاطع انتخابات الرئاسة لأنّ محاولاته لإيصال مرشحه المُضمر باءت بالفشل لا أكثر ولا أقل. وبعد أن زادت عليه الضغوط من كل حدب وصوب، وخصوصاً من الكنيسة، للكف عن مقاطعته، ذهب الى اختراع المطالبة بتعديل المادة 49 من الدستور ليُصبح انتخاب الرئيس مباشرةً من الشعب، فلو تكللت محاولات هذا البعض لإيصال مرشّحه بالنجاح، هل كان ليطرح تعديل الدستور؟ ولماذا لم يطرحه قبل الآن، في وقته الطبيعي، أشهر عديدة عديدة قبل الاستحقاق؟ لو تكللت محاولاته لإيصال مرشّحه بالنجاح، ألم يكن هذا البعض ليدفع بالمادة 49 الى مرتبة القدسية، وليسقط الشعب والديمقراطية وكلّ شيء آخر من حساباته؟”

وشدد جعجع على “انّ الحجة القائلة بأنّ تعديل الدستور هو لمحاولة إيصال رئيس قوي هي ساقطة، إذ إن الآلية الحالية لانتخاب رئيس الجمهورية، والمعمول بها منذ الاستقلال، قد جاءت برؤساء اقوياء من كميل شمعون وفؤاد شهاب الى بشير الجميّل وغيرهم، فليست المادة 49 من الدستور هي التي تمنع وصول رئيس قوي، بل الشخصانية القاتلة والأنانية المفرطة ورفض التعاون مع الغير لإيصال رئيس قوي.”

وأعلن جعجع “رفضنا كل مشاريع الأمن الذاتي، وبخاصةٍ تلك التي تستغّل خطر الإرهاب، لا لمواجهة هذا الخطر والدفاع عن لبنان، وإنما لتعزيز الموقع المهتزّ لبعض الفرقاء على الساحة الداخلية، إن اللبنانيين لم يضطروا مُكرهين للجوء الى الأمن الذاتي في العام 1975، إلاّ بعدما تفككت مؤسسات الدولة كلّياً وفقدوا كل املٍ في إمكانية ان تهّب هذه المؤسسات لحمايتهم”، لافتاً الى “ان الحل اليوم ليس بالأمن الذاتي، لأن مؤسسات الدولة ما زالت فاعلة بحدّ مقبول وقادرة ومتماسكة، وإنما بدعم هذه المؤسسات، وليس بخلق بؤرٍ أمنية وخلايا مسلحة تُقوّض عملها، وتُكبّل حركتها، إنّ تشجيع الأمن الذاتي والدعوة الى التسلّح تحت مسمّيات وذرائع مختلفة إنّما هو محاولة لاستكمال ضرب المؤسسات وركائز الدولة الذي كان قد بدأ بتعطيل الاستحقاق الرئاسي وإفراغ رئاسة الجمهورية وشل المجلس النيابي.”

وتوجّه جعجع الى المسيحيين قائلاً:” إذا اراد البعض تخويفنا لغايةٍ في نفسه، فلا تخافوا، إن الله معنا الى انقضاء الدهور، من شرب بحر المخاطر والصعوبات والدواعش على مر التاريخ، لن يغصّ بداعشٍ متخلّفة بدائيّة معزولة يلفظها التاريخ، لا تخافوا، فنحن ابناء المقاومة اللبنانية التاريخية، ابناء ثورة الأرز الحقيقية، أحفاد البطاركة والمقدمين”.

وأكّد جعجع ان “خيارنا الأول والوحيد هو الدولة، خيارنا المؤسسات والجيش والقوى الأمنية، وسنقاتل إلى جانبها بالموقف والحجة والصبر والصمود، كي تبقى الدولة ويبقى لبنان، ولكن لن نتردد لحظة واحدة في التصدي لكل من يتخطى الدولة بقوة السلاح ليعتدي على لبنان وعلينا، أكان اسمه داعش أو أي شيء آخر، لقد سقط الشهداء لأنهم قاتلوا كي لا يُقتلوا ونُقتل، ونحن إذا اضطررنا، سنقاتل كي لا نسقط  وكي لا يسقط أحد بعد اليوم”.

هذه المواقف أطلقها جعجع في الذكرى السنوية لشهداء المقاومة اللبنانية الذي أحيّاها حزب القوات اللبنانية في معراب تحت شعار :”شهادتكم أمانة… لا تخافوا: شهداء الجمهورية القوية“…

وقال جعجع:” شهادتكم أمانة… لا تخافوا، رفاقي الشهداء، صحيح أننا كنّا نحيي ذكراكم كل عام، لكن دعوني أعترف أمامكم أنّ ذكراكم هذا العام ترتدي معنىً للشهادة أعمق وأهم من أي عام آخر، مع كل الحب الذي أحببناكم، وكل الدموع التي سكبنا، وكل الصلوات التي رفعنا. نعم، ذكراكم هذا العام ترتدي معنى أعمق في ضوء كل ما جرى ويجري في سوريا والعراق في الأشهر والأسابيع الماضية. لولاكم، ولولا رفاقكم الأحياء، لكنا ما زلنا حتى اليوم عالقين بين الأرض والسماء على قمة جبل سنجار ما، بانتظار طيار ما للحصول على قطرة ماء ولقمة طعام ما. لولاكم لكانت رياح الشر اقتلعت الأرز الأخضر واجتاحت الجبل الأبيض. لولاكم، لكان شعبنا ترك أرضه وقراه كما تركها أهل قراقوش والموصل والقصير ومعلولا، ولكان أصبح مشتتاً في بقاع الأرض وأقاصيها. لولاكم لأصبحنا هنوداً حمراً بالفعل، لا شعباً يجترح ثورة أرز في لبنان سرعان ما شعّ نورها الى أقطار الربيع العربي، ليدكّ عروش طغاة وديكتاتوريين. لولاكم لكنّا مجرّد جماعة ذمّيّة هامشية، لا شعباً يحرق مراكبه أمام الأعداء، ويكسر اليد التي تمتد اليه، بدلاً من الدعاء عليها بالكسر. صحيح أنّ خسارتكم رفاقي الشهداء لا تقدّر بثمن، لكنّها وفّرت على شعبنا أثماناً وأثماناً وأثمان. صحيح أنّكم بذلتم دماءكم فوق هذه الأرض، لكنكم بهذا احتفظتم لهذه الأرض بكرامتها وعنفوانها وعزّتها وحريّة أهلها. لولاكم ولولا رفاقكم الأحياء، لتغيّرت معالم الجغرافيا والتاريخ في لبنان، ولتحوّل جبل لبنان الى جبل سنجار، وسهل البقاع الى سهل نينوى، فهنيئاً لنا بكم، وهنيئاً لكم حيث أنتم.”

واضاف:” رفاقي الشهداء، بعد سنوات وسنوات من الظلم والتجنّي والكذب بحقّكم، جاءت الأحداث المأساوية في سوريا والعراق لتنصف شهادتكم. بعد سنوات من التجنّي والتشويه والافتراء، بات المفترون المتحاملون أنفسهم قلقين مذعورين، يتوسّلون حماية طاغية من هنا، أو أمناً ذاتياً كرتونياً من هناك. اليوم أدرك هؤلاء هول خطيئتهم بما سوّقوه عنكم وساقوه ضدّكم، فأنتم شهداء حق لقضية حق، وحكايات بطولة لا تنتهي. قولوا لهم الآن من عليائكم: لا تخافوا. استشهدنا ونستشهد ليس في سبيل من أحسن الينا فحسب، بل في سبيلكم أنتم أيضاً، لأنّكم لم تكونوا تدرون ماذا تقولون ولا ماذا تفعلون. رفاقي الشهداء: لا تخافوا. شهادتكم أمانة في أعناقنا. أيّها اللبنانيون: لا تخافوا. كما كان شهداؤنا، هكذا نحن أيضاً.”

وتوجّه جعجع الى اللبنانيين، فقال:”نلتقي اليوم، والمنطقة برمتّها فوق بركانٍ من الحديد والنار والموت. وكأنه لم يكن ينقص هذا البركان، سوى ظهور “آلة الموت” داعش لتضيف الى مآسي سوريا والعراق، تدميراً وقتلاً وتنكيلاً وسبياً واضطهاداً وذبحاً وإجراماً.  وكأنه لم تكن تكفي شعوب المنطقة “إنجازات” الأنظمة الديكتاتورية في فنون القمع والقتل والدمار والوحشية، حتى جاءنا اختراع داعش تاجاً يكلل تلك الإنجازات.”

ورأى “أن هذه الظاهرة الطارئة والمشبوهة، والتي خرجت الى الضوء بسحر ساحر وقدرة أسد، لا تمّت لا الى الإسلام ولا الى العروبة ولا الى كل مفاهيم هذا العصر، بأي صلة. إن مواجهة ظاهرةٍ تدميرية كهذه هي مسؤولية اخلاقية الزامية على كل واحد منّا. ان داعش هي بمثابة ورمٍ سرطاني ظهر فجأة في اجزاء مُحددة من سوريا والعراق، وما زال محصوراً وبالتالي قابلاً للإستئصال بسرعةٍ اذا ما تضافرت الجهود والإرادات على ذلك، ولقد تضافرت من خلال تحالف دولي عربي. إن ظاهرة داعش تسير عكس التاريخ وعكس الطبيعة وعكس تطوّر الإنسان، وهي بالتالي تحمل في طيّاتها بذور فنائها، وكالنيران سوف تأكل نفسها بنفسها. “

وسأل :”من اين اتت داعش؟ وما هي الظروف التي ادّت الى نموّها بهذا الشكل؟ وهل هناك مجرّد داعش واحدة، ام مجموعة دواعش اخرى، تضاهي الأولى خطراً وتحاول بشتّى السبل تشتيت انتباهنا عن خطرها، وحصره بداعش فحسب؟ لذلك دعوني أسأل:هل استعمال أسلحة كيميائية وقتل آلاف المواطنين في دقائق معدودة، أقل داعشية من ذبح وقتل المئات في ساعات معدودة؟ وهل رمي مدن سوريا وقراها وأحيائها بالبراميل المتفجّرة على غير هدى، وتحويل أجساد الأطفال فيها أشلاءً، أقل إجراماً من تفجيرها بالانتحاريين؟ وهل تدمير مدن سوريا وقتل شعبها بالمدفعية الثقيلة وقذائف الدبابات أقل وحشية من تخريب أحياء المدن والقرى بأساليب بدائية؟ وهل إنّ رمي عشرات الآلاف من السوريين واللبنانيين ظلماً في السجون والأقبية، حيث قضى الآلاف منهم موتاً تحت التعذيب، أقلّ فظاعة من ممارسات داعش؟ وهل إنّ ذبح صحافي أميركي تحت أعين الكاميرات أكثر إرهاباً من تفجير وقتل رفيق الحريري وباسل فليحان وسمير قصير، وجورج حاوي، وجبران تويني، وبيار الجميل، ووليد عيدو، وانطوان غانم، ووسام عيد، ووسام الحسن، وهاشم السلمان ومحمد شطح ؟ هل إنّ ذبح صحافي أميركي أكثر إرهاباً فقط لأنّ هذه الجرائم ارتكبت من دون كاميرات واجتهد الفاعلون لإخفاء وإنكار فعلتهم؟ هل من يقتل بيديه العاريتين داعش، أما من يقتل بقفازات مخملية فليس داعشاً؟ إنّ ما أدّى الى وجود داعش هو مجموعة دواعش موجودة أمام أعيننا لكننا لا نراها بالوضوح عينه بفعل التمويه والدهاء والقفازات المخملية. أعترف للفريق الآخر بأمر واحد، وواحد فقط، وهو قدرته أحياناً على غش الرأي العام وتسليط الضوء على الزاوية التي يريد من المسرح، وحجبه عن زوايا أخرى أشد خطورةً وإجراماً. “

وأكّد “أنّ دواعش القفازات المخملية هي أشدّ خطراً وفتكاً من داعشيةٍ غبية اعتباطية استجلبت في وقت قياسي إجماعاً دولياً قل نظيره ضدّها، بالإضافة الى أنّ تلك الدواعش هي أكثر من ساهم في قيام داعش. إن محاربة داعش عسكرياً يجب ان تترافق مع معالجة اسباب نشوئها، وإلاّ نكون امام خطر إعادة إنتاجها من جديد، وإنما بمسمياتٍ اخرى، وهذه المرة اشد تطرفاً وفتكاً من الحالية. لقد اعتقد البعض ان القضاء على تنظيم ابي مصعب الزرقاوي هو نهاية التكفيرية الدموية في العراق. فكيف عادت التكفيرية الدموية الى الظهور مع داعش من جديد، على الرغم من القضاء على تنظيم الزرقاوي؟ لقد عادت من جديد الى الظهور لعدم وجود دولةٍ فعلية في العراق ولإقصاء مكونٍ من المكونّات العراقية عن المشاركة الفعلية في السلطة، لقد عادت من جديد الى الظهور بسبب وجود نظام سجونٍ وقبورٍ في سوريا، لم يتورّع عن ذبح شعبه منذ عشرات السنين تشبثاً بالسلطة، ورفضاً للتغيير السلمي، حتى وصل به الأمر الى حد اقتلاع اظافر اطفال درعا، ونزع حنجرة ابراهيم القاشوش، وقتل الطفل حمزة الخطيب تحت التعذيب، وتكسير أصابع علي فرزات، وتمزيق الطفل مصطفى عرب بائع البسكويت ببرميل متفجّر، ومعهم حوالى ثلاثين الف امرأة وطفل، لقد عادت من جديد الى الظهور بسبب وجود دويلةٍ خارج الدولة في لبنان تتحكم بمصائر اللبنانيين رغماً عنهم، وتصادر قرارهم العسكري والأمني، وآخر تجلّياتها محاربة المعارضة في سوريا لصالح النظام، دويلة  تعمد الى إقصاء المعتدلين ونفيهم، ثم تتباكى على خطر المتطرّفين. تتفرد بالسلطة عندما تستطيع، وتمارس التعطيل بحجة “التوافقية” والرئيس القوي عندما تعجز عن التفرّد.”

وشدد جعجع على “ان القضاء على داعش هو واجبٌ فوري، على ان يرافقه عملٌ موازٍ لإزالة اسباب ظهور داعش وإعطاء كل صاحب حق حقّه، وتعميم مفاهيم الحرية والديموقراطية والتعددية والثقافة المدنية والإنسانية، وإلاّ فإننا نكون قد اخرجنا داعش من الباب، وادخلنا دواعش أخرى مكانها من الشبّاك. نحن أم الصبي وأهل البيت. سنقفل كل الأبواب والنوافذ والمسالك والمعابر. لن نسمح لأي كان أن يتسلل إلى الداخل ويعيث فتنة وخراباً، بيتنا بنيناه بعرق المناضلين ودموع الأمهات ودماء الشهداء، ولن ندع أحداً يهدمه على رؤوسنا.”

وأشار الى “أن المخاض الدموي العنيف الذي يعصف ببعض جوانب الربيع العربي، لا بُد وأن يعبّد الطريق، عاجلاً أم آجلاً، امام ولادة دولٍ تعددية، ديموقراطية، حضارية، وزوال انظمة القمع والإرهاب والديكتاتورية. هي حال كل الثورات منذ بدء التاريخ، أن يعتريها العسِر والمشّقات خلال مسارها، قبل ان تنضج وتبلغ غاياتها الإنسانية في نهاية المطاف. إن الحكم على صوابية الثورات التي حصلت منذ فجر التاريخ لم يكن مرّة في خضمّ الثورات، وغبارها لم ينقشع بعد، وإنما بعد استقرارها نهائياً، فالثورة الفرنسية لم تفلح ببلوغ غايتها النهائية وتحقيق الشعارات التي رفعتها، إلاّ بعد حوالي المئة عام من تاريخ قيامها، وبعد مرورها بمخاضٍ متعرّجٍ طويل  سُفك فيه الكثير من الدماء واُزهقت فيه آلاف الأرواح. “

وأردف “ولكن اليوم، وبعد مرور اكثر من قرنين على بدايتها، لا يذكر الناس من الثورة الفرنسية سوى انها جعلت فرنسا واوروبا اكثر إنسانيةً ومدنيةً وتحضراً، من دون ان يتذكروا “عهد الإرهاب” الذي ترافق مع هذه الثورة، ولا عشرات الآف الإعدامات والتصفيات والإغتيالات، التي تلت الثورة، وتواصلت لعقودٍ طويلة، قبل ان تبلغ فرنسا ومعها اوروبا، هذه الدرجة من الرقي والحضارة والإنسانية التي نعرفها عنها اليوم. إن ثورات الربيع العربي، وعلى الرغم من كل الظواهر والمظاهر المسيئة والدموية التي تنبت اليوم، لا بُد وأن تنجح في نهاية المطاف باستبدال المفاهيم المتخلّفة السائدة في الشرق بمفاهيم اكثر إنسانيةً وديموقراطيةً وحضارية، نحن مع حراك المجتمعات نحو الأفضل بغض النظر عن أي شيء، نحن مع التغيير على الرغم من كل شيء.”

وقال: “وفي سياقٍ آخر ليس بعيداً أبداً عن الربيع، نتوقّف عند ما قدّمه الشعب الفلسطيني من تضحيات وصمود بطولي يستحق منا التحية والتقدير، إذ برهن أنّه صاحب قضية حقيقية، لا يتردد لحظة واحدة بتقديم أغلى ما لديه في سبيلها، على الرغم من الحصار والتضييق والمعاناة الطويلة، وكلّي ثقة بأنّ شعباً يختزن هذا القدر من روح النضال، لا بد وأنّه منتصر في نهاية المطاف. لقد أثبتت أحداث غزة أنّ الشعب الفلسطيني بالتحديد هو صاحب القضية الفعلي الحقيقي إذ تحمّل وزر القصف والدمار والموت والحصار والصعوبات من دون حساب، بينما الطارئون على القضية الفلسطينية والمتاجرون بها، والعاملون على تحويلها الى مجرّد ورقة تفاوضية خدمةً لأغراضهم الاستراتيجية في المنطقة، لم يحرّكوا ساكناً، ولم يرفعوا إصبعاً، إلاّ في الإعلام.”

وذكّر جعجع “انّ لبنان كان السبّاق الى استقبال الربيع بين ربوعه، منذ قرونٍ عديدة، فالجبل اللبناني شهد ثوراتٍ كثيرة على امتداد تاريخه وعاميات شعبية بوجه الظلم والإحتلال والأمبراطوريات، فالفرادة التي يتميّز بها لبنان ودستوره، وعلى الرغم من شوائبه، ليست وليدة الصدفة وإنّما هي نتاج نضالٍ تراكمي عبر التاريخ.”

ورأى “ان المشكلة تكمن في ان البعض يريد تحويل هذا الدستور الى حبر على ورق، علماً ان مفهوم الدولة الحديثة مُكرسٌ وواضحٌ في الدستور، إلا ان ثمّة من يقف حائلاً دون وضع اُسس هذه الدولة ومقوماتها موضع التنفيذ: اولاً، على الصعيد العسكري والأمني، بفعل وجود تنظيماتٍ مسلحةٍ غير شرعية، خلافاً لما نصّ عليه اتفاق الطائف. وثانياً، اقتصادياً ومعيشياً، بفعل تخلّف وفساد وإقطاعية قسم كبير من الطبقة السياسية الحاكمة.”

واعتبر “ان وضع الدستور اللبناني موضع التنفيذ يستلزم حلّ كل التنظيمات المسلحة غير الشرعية، وإعادة القرار العسكري والأمني للدولة اللبنانية وحدها، والمسارعة الى إقرار قانونٍ عادلٍ ومتوازنٍ للإنتخابات، كما يستلزم تحمّل الشعب اللبناني مسؤولياته الوطنية عند اول استحقاقٍ نيابي، من خلال التصويت لصالح التخلّص من كل مظاهر الميليشياوية السياسية من تعطيل وشعبوية وتخريب وتخلّف وفساد وزبائنية. فليتخذ الشعب اللبناني قراره قبل فوات الأوان، ولننُقذ الجمهورية قبل ان تُصبح في خبر كان. لن نسكت، لن نحابي، لن نرتاح حتّى إجراء التغيير المطلوب وتحقيق حلمنا بوطن جميل نورثه من جيل الى جيل.”

وأكّد “ان العبث بالدستور وجعله حبراً على ورق بات يتخذ في الآونة الأخيرة طابع الإمعان بتعطيل انتخابات الرئاسة، إنها جريمة سياسية كاملة أن يسعى البعض الى قطع رأس الجمهورية بهدف التربّع على رأسها، والى أخذ البلد رهينةً بهدف الحصول على موقع الرئاسة كفدية، إنها جريمة سياسية موصوفة ان تُفرغ الجمهورية اللبنانية من رئيسها المسيحي، في وقتٍ يتم إفراغ الموصل وسهل نينوى من أهلهما المسيحيين.”

ولفت جعجع الى “انّ البعض يقاطع انتخابات الرئاسة لأنّ محاولاته لإيصال مرشحه المُضمر باءت بالفشل لا أكثر ولا أقل. وبعد أن زادت عليه الضغوط من كل حدب وصوب، وخصوصاً من الكنيسة، للكف عن مقاطعته، ذهب الى اختراع المطالبة بتعديل المادة 49 من الدستور ليُصبح انتخاب الرئيس مباشرةً من الشعب. لو تكللت محاولات هذا البعض لإيصال مرشّحه بالنجاح، هل كان ليطرح تعديل الدستور؟ ولماذا لم يطرحه قبل الآن، في وقته الطبيعي، أشهر عديدة عديدة قبل الاستحقاق؟ لو تكللت محاولاته لإيصال مرشّحه بالنجاح، ألم يكن هذا البعض ليدفع بالمادة 49 الى مرتبة القدسية، وليسقط الشعب والديمقراطية وكلّ شيء آخر من حساباته؟”

وشدد على “انّ الحجة القائلة بأنّ تعديل الدستور هو لمحاولة إيصال رئيس قوي هي ساقطة، إذ إن الآلية الحالية لانتخاب رئيس الجمهورية ، والمعمول بها منذ الاستقلال، قد جاءت برؤساء اقوياء من كميل شمعون وفؤاد شهاب الى بشير الجميّل وغيرهم، فليست المادة 49 من الدستور هي التي تمنع وصول رئيس قوي، بل الشخصانية القاتلة والأنانية المفرطة ورفض التعاون مع الغير لإيصال رئيس قوي.”

ورأى أنه “ليست المشكلة في آلية انتخاب الرئيس وإنما في آلية تعطيل انتخابات الرئيس، وليس الحل بتعديل المادة 49، وإنما بالعدول عن الإبتزاز والتعطيل. إذا كانت ثمّة حاجةٍ حقيقية لتعديل الدستور، فهي لإدخال مواد دستورية تمنع تعطيل انتخابات الرئاسة.”

وسأل:” هل يعي البعض أنّ تعطيل انتخابات الرئاسة هو تعطيل الحياة السياسية برمتها، مع ما يستجلبه ذلك من ضررٍ اجتماعي وعدم استقرارٍ امني وركودٍ اقتصادي؟ اي صورةٍ يريد المعطلون تظهيرها عن لبنان، في ادقّ مرحلةٍ يمّر بها الشرق منذ عقود؟ وكيف للآخرين ان يثقوا بنا كلبنانيين، وان يحترمونا، وقسمٌ مناّ يُعرقل الحياة الديمقراطية القائمة اصلاً هنا، في زمنٍ تُعطّل فيه الدواعش الأخرى كل مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية في الشرق الأوسط.”

وتابع:”يقولون ان هدفهم من التعطيل هو الوصول الى رئيسٍ قوي، لكن التعطيل لا يوصل الى أي رئيسٍ بالمرة ، كما أثبتته تجربة الأشهر الستة المنصرمة. إذا كان السلوك الداعشي في الموصل قد استوجب تحركاً دولياً جامعاً لمجابهته، فإنّ التعطيل السياسي في لبنان يستوجب تكاتفاً وطنياً موازياً بغية تحرير الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية من التعطيل، والفساد والغش والتلاعب بمستقبل أولادنا، وإننا لمبادرون.”

وتطرق جعجع الى الأحداث الدموية التي شهدتها عرسال وجرودها مؤخّراً “والتي تؤكد وجهة نظرنا بضرورة سيطرة الدولة على الحدود اللبنانية-السورية وضبطها تماماً، بمساعدة القرار1701 لمنع المسلحين من كل الأطراف من العبور ذهاباً وإياباً الى سوريا من دون حسيبٍ او رقيب، فلماذا تُصر قوى 8 آذار على رفض هذا الإقتراح، مُبقيةً الحدود مُشرّعة والأمن سائباً، والسيادة الوطنية مُنتهكة؟ ولماذا تقدّم هذه القوى مصلحة النظام السوري على المصلحة اللبنانية العليا؟”

ووجّه جعجع تحية الى ارواح شهداء الجيش اللبناني “وآخرهم الشهيد العريف علي السيّد، ونُثمن التضحيات الكبيرة التي قدّمها الجيش، مؤكّدين دعمنا الكامل له للحفاظ على حدود لبنان وضبطها بالإتجاهين، والدفاع عن السيادة الوطنية، واستعادة القرار العسكري والأمني بشكلٍ كامل، كما ندعو الى إطلاق العسكريين اللبنانيين المخطوفين فوراً”

وأعلن جعجع “رفضنا كل مشاريع الأمن الذاتي، وبخاصةٍ تلك التي تستغّل خطر الإرهاب، لا لمواجهة هذا الخطر والدفاع عن لبنان، وإنما لتعزيز الموقع المهتزّ لبعض الفرقاء على الساحة الداخلية، إن اللبنانيين لم يضطروا مُكرهين للجوء الى الأمن الذاتي في العام 1975، إلاّ بعدما تفككت مؤسسات الدولة كلّياً وفقدوا كل املٍ في إمكانية ان تهّب هذه المؤسسات لحمايتهم ونجدتهم، لمواجهة الخطر الداهم على المصير”، لافتاً الى “ان الحل اليوم ليس بالأمن الذاتي، لأن مؤسسات الدولة ما زالت فاعلة بحدّ مقبول وقادرة ومتماسكة، وإنما بدعم هذه المؤسسات، وليس بخلق بؤرٍ أمنية وخلايا مسلحة تُقوّض عملها، وتُكبّل حركتها، إنّ تشجيع الأمن الذاتي والدعوة الى التسلّح تحت مسمّيات وذرائع مختلفة إنّما هو محاولة لاستكمال ضرب المؤسسات وركائز الدولة الذي كان قد بدأ بتعطيل الاستحقاق الرئاسي وإفراغ رئاسة الجمهورية وشل المجلس النيابي.”

وتوجّه جعجع الى المسيحيين قائلاً: “إذا اراد البعض تخويفنا لغايةٍ في نفسه، فلا تخافوا، إن الله معنا الى انقضاء الدهور، من شرب بحر المخاطر والصعوبات والدواعش على مر التاريخ، لن يغصّ بداعشٍ متخلّفة بدائيّة معزولة يلفظها التاريخ، لا تخافوا، فنحن ابناء المقاومة اللبنانية التاريخية، ابناء ثورة الأرز الحقيقية، أحفاد البطاركة والمقدمين””.

واضاف “أيّها اللبنانيون، لم يسقط شهداؤنا في زمن الحرب ، كي يسقط على دربهم شهداء في زمن السلم، لقد ماتوا لنحيا لا ليموتوا مرتين . لقد ماتوا كي لا نموت مثلهم،  لكن إذا دعا داعٍ او داعش ، فنحن للمقاومة جاهزون ولن نموت إلا واقفين، لم يسقط شهداؤنا كي يبقى غريب مسلح على أرض لبنان ، ولا لبناني مسلح في خدمة غريب، لم يسقط شهداؤنا عندما قاتلوا في غياب الدولة ، كي تغيب الدولة وتُغيّب مرة أخرى، لم يسقط بشير الجميل رئيسا منتخباً للجمهورية، كي يأتي من يمنع انتخاب رئيس للجمهورية، لم يسقط شهداؤنا في الأشرفية وزحلة وعين الرمانة وبللا وقنات وعيون السيمان وبحمدون، كي يسقط لبنانيون أبرياء في عرسال والهرمل والضاحية وطرابلس وعكار، لم يسقط رئيسان للجمهورية غيلةً، كي يسقط رئيس حكومة ووزراء ونواب ورموز لثورة الأرز غيلةً أيضاً، لم تسقط مايا بشير الجميل طفلة بسيارة مفخخة ، كي يسقط ابن عمها بيار شاباً بالرصاص في سيارته، لم يسقط سليم اللوزي وقلمه ورياض طه وقلمه، كي يسقط جبران التويني وقلمه وقسمه ، وسمير قصير وقلمه وحلمه، لم يسقط حسن خالد وأحمد عساف وصبحي الصالح، كي يسقط باسل فليحان وجورج حاوي وأنطوان غانم ووليد عيدو، لم يسقط الشهداء لاسترجاع الدولة والمؤسسات ، كي يسقط رموز الحفاظ على الدولة والمؤسسات من وسام عيد ووسام الحسن الى النقيب داني خيرالله والمقدّمين نور الدين الجمل وداني حرب، لم يسقطوا في وجه الدواعش على أشكالها ، وقد خبرناها وجابهناها وهزمناها، كي يأتي من يهوّل بداعش وأخواتها وبنات عمها…”

وأكّد ان “خيارنا الأول والوحيد هو الدولة، خيارنا المؤسسات والجيش والقوى الأمنية ، وسنقاتل إلى جانبها بالموقف والحجة والصبر والصمود، كي تبقى الدولة ويبقى لبنان، ولكن لن نتردد لحظة واحدة في التصدي لكل من يتخطى الدولة بقوة السلاح ليعتدي على لبنان وعلينا، أكان اسمه داعش أو أي شيء آخر، لقد سقط الشهداء لأنهم قاتلوا كي لا يُقتلوا ونُقتل، ونحن إذا اضطررنا، سنقاتل كي لا نسقط  وكي لا يسقط أحد بعد اليوم”.

واشار الى ان “الجبناء الرعاديد حملة مناديل التخويف والابتزاز، فهم ليسوا منا ولا نطلب مثلهم منة ولا حماية، لن نسمح بموت الدولة، رهاننا على منع سقوط المؤسسات في العدم أو المكائد أو في التعطيل، رهاننا أن يكون في قصر بعبدا رئيس للجمهورية كي تبقى الجمهورية، رهاننا أن تبقى الدولة وأن تسقط الدويلة، نحن حماة الشرعية وهم حماة شريعة الغاب، نحن حماة الدولة القوية وهم دعاة الدولة الرديفة، نحن حماة المؤسسات وهم من يشلّها. “

وختم جعجع: “الأرض والسماء تزولان وحرف واحد من كلامك يا ربي لا يزول، نحن أبناء هذه الأرض. نحن أبناء الحرية. نحن أصحاب حق. نحن أصحاب قضية. خبزنا اليومي: عمل، بناء، نضال، تضحية، علم، ثقافة، خير وجمال، لم نعتد يوماً على أحد، ولن نعتدي. لذلك، العدوان والإرهاب يزولان وحبة تراب واحدة من هذه الأرض لا تزول.”

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل