في ضوء توصيات الخلوة العاشرة للقاء سيدة الجبل الاخيرة وما تضمنته من احاطة واضحة ومتكاملة للواقع المسيحي في الشرق وكيفية مواجهته الارهاب، نرى ضرورة تأكيد الآتي:
اولاً: ان حماية المسيحيين طرح تجاوزه التاريخ ومنطق التطورات – لأن البعض باثارته هذا الشعار لا يرمي حقيقة الى البحث عن حماية المسيحيين بقدر ما يبحث عن حماية نفسه وتعويم دور له فقده بفعل ذوبانه في اجندات اقليمية مشبوهة لا علاقة لها بمصلحة المسيحيين – بما ان الوجود المسيحي الراسخ والتاريخي والاصلي والاساسي في هذا الشرق لم يقم الا على الانفتاح والتفاعل مع المحيط الاسلامي والتضامن مع هذا المحيط لا بالانغلاق والانعزال والبحث عن نظم حمائية تنقله من ذمية دينية الى ذمية مصالح دول عظمى في المنطقة تقيس حماية المسيحيين بمقياس مصالحها كما اثبت التاريخ ذلك.
فالذين يتلذذون اليوم باثارة شعار حماية المسيحيين انما يحاولون اعادة عقارب الساعة الى الوراء باثارته القضية الاكبر والاشمل التي لطالما عرفت بمسألة الشرق واالتي لم تكن بدورها الا صنيعة الاستعمار الاجنبي كاداة لحكم المنطقة وشعوبها وزرع الشقاق تماماً كما شعار صراع الحضارات اليوم.
ثانياً: ان السير في منطقهم تحت شعار حماية المسيحيين فضلاً عن الخدمة الكبيرة التي يؤدونها للانظمة الساقطة وفي طليعتها النظام الاسدي في سوريا، يستجلب حكماً مخاطرة عودة التلاعب مجدداً بمصير الاقليات ومنها المسيحيين من باب التدخل لحمايتهم وتسليحهم الامر الذي قد يوقظ لدى القوى الكبرى الطامحة والطامعة احلام اللعب مجدداً على اوتار الاختلافات الاتنية والطائفية والمذهبية والعرقية للقضاء على ما تبقى من مقدرات الشعوب في المنطقة ودولها. فمن قال ان المسيحيين اليوم في الشرق بحاجة لحماية وكأنهم جالية عابرة غابرة؟ ومن قال ان مسيحيي الشرق وحدهم في خطر اصلاً بل كل الشعوب الاسلامية وقبل الاقليات في خطر اكبر من الموجة المتطرفة التي تمثلها اليوم “داعش” واخواتها…
المسيحيون في اساس النسيج الشرق الاوسطي وفي اساس قيام الدول والكيانات في المنطقة وهم اهل الارض والتاريخ والحضارة العربية في هذه المنطقة ومن المساهمين الاساسيين والبارزين في اشعاعها الحضاري والتاريخي والثقافي… فمجرد اثارة فكرة الحمائية للمسيحيين تزوير للتاريخ والواقع والحقائق وتراجع الى الوراء قد ينعكس سلباً على صورة المسيحيين باظهارهم جالية ضعيفة ومغلوب عليها تستجدي الحماية وصولاً لتبرير حملها السلاح.
ثالثاً: ان اي نظام حمائي للمسيحيين في هذه المنطقة يجب ان ينبع من الاطر والمؤسسات التي تنتظم من ضمنها الشعوب لا من خارج هذه الاطر. فلا حماية للمسيحيين الا من ضمن اطر الدولة تلك الدولة التي ساهم المسيحيون في مختلف بلدان وجودهم على مر التاريخ ومنذ 2000 عام على ترسيخها وقيامها كوحدة انصهارية لمختلف مكونات المجتمعات العربية وهيكلية وحيدة ضامنة لوجود كل الاقليات والاكثريات في آن معاً وعلى قدم المساواة، علماً ان لا اكثريات في هذا الشرق بل عيش مشترك وتألف بين مكونات اقلي. فلا يمكن ان يكون الامن الذاتي للمسيحيين ضمانة لهم ولا حمل السلاح ضمانة لهم، لان التجارب اثبتتت ولا تزال تثبت كل يوم ان من حمل السلاح من هذا الفريق سيستدرج حكماً الفريق الآخر الى حمله ما يدخل الجميع في دوامة من الفوضى والعنف والتفتت والتشرذم ويقضي على امال وفرص السلم الاهلي والوحدة الوطنية والانسجام بين مكونات المجتمعات في المنطقة. فالدولة هي الحماية الوحيدة الاكيدة والجامعة والشاملة والفاعلة والمسيحيون كما المسلمين مدعون للتمسك بمشروع الدولة وتقويتها كي تستطيع هي ان تحميهم وتكون صمام امان وجودهم في كل بلد من بلدان المنطقة .
رابعاً: من هنا فان طرح تحالف الاقليات طرح ساقط بدوره ومردود على من يروجه لأن ضمانة المسيحيين لا تكون بالعزلة ولا بالانغلاق ولا بالتقوقع، بل بمزيد من الانفتاح والتفاعل والتواصل مع المحيط القريب والبعيد في آن، خصوصاً ان التجارب التاريخية اثبتت ولا تزال تثبت فشل صيغ الدول القومية ذات الصبغة الطائفية او المذهبية في المنطقة بدءاً من اسرائيل التي بنت وجودها على الحروب والعدوان لتضمن بقاءها كجسم غريب غاصب في هذه المنطقة وصولاً الى الجمهورية الاسلامية الايرانية التي احتاجت الى تصدير الثورة الى المنطقة كي تضمن بقاءها واستمرارها استراتيجياً على الاقل. وبالطبع لن ننسى فشل التجربة المسيحية في لبنان عبر تاريخه الحديث منذ الاستقلال وبروز ثنائية بشارة الخوري – اميل اده – في ترسيخ وحدة رؤية مسيحية تمكن المسيحيين من الاندماج في مشروع اقلوي واحد يمكنهم من بناء هيكلية مؤسساتية كيانية واحدة، فالمسيحي لا يستطيع العيش الا منفتحاً ومتفاعلاً مع الاخرين وهذا ما يدخل في صلب ثقافته الدينية وايمانه ومعتقده المجتمعي…
فحماية المسيحيين فزاعة مفبركة من محور ايران – الاسد – “حزب الله”، وما “التيار الوطني الحر” والعماد ميشال عون الا الاداة المسيحية الطيعة في الترويج والتسويق لها…
انها فزاعة مزيفة لطرح ذمي اقلوي وحمائي ساقط…
