يا أبطال الغار… لكم العزَة

لكي لا يتحوَل الواحد منَا اسماً من دون بلد، مرفوضاً في كل الشوارع والشواطئ، مسحوقاً تحت عنوان “لاجئ”، متجوَلاً في كفن صدئ ينزف رماداً، حطاماً مطروداً من كل الوجوه، يغوص في لحمه طعم الموت المفاجئ، ويجعلون من جراحه معرضاً.

لكي لا نكتب الرسائل من المنفى، ونتمتم مراثي الحنين، وتمطر علينا الشمس صمتا وشوكا، وتركض فينا أنهار السراب، وتعبرنا أنياب الأغلال الباردة، فيصبح حزننا جريئاً، يلحس من دمنا، ويضمَد جراحنا بالجراح.

لكي لا نصبح دمعة يصفعها اليأس وهي تترجَى، يباسا هجرته ريَات الندى، مساحتنا شلاَل الأسلاك، وحياتنا مواسم ألغام، ضاع منا جواز المرور الى الفرح فطمرنا وحل الأرض.

لكي لا يغدو حلمنا خيمة، تهاجم العتمة أنفاسنا، يكسر جباهنا الذلَ، نقع ركاماً أمام الخبز الموعود، ونذبل على أبواب وكالات الغوث.

لكي لا نصبح وقف الشيطان، شعباً حجريَ الملمح، لا نصدَق أنَ اليوم الثالث موجود، نعتاد الكفن المملوء ثقوباً، نقفز في المجهول منهوكين كلما أشرقت جلجلتنا مع كل صباح.

لكي لا تضحي أيَامنا سمَا يزهق في أطفالنا  قدوم العيد، يستدعي مشهد القبور باستمرار مشهد قبور آخر، نقرأ خلاصات الحق المزيَف من دون استيعاب، ولا يخطر في بالنا إلاَ العدم.

لكي لا يصبح الربيع في حياتنا ذكرى، ويصبح واحدنا نقشاً منسيَاً في حجر ضريح، في صدرنا يزرع الدمار، وتعدَنا المدنيَة من عاهات التاريخ.

لكي نبقى ويبقى معنا الوطن وفينا، جرت أنهارنا أرجوانية كلَ قطرة منها حياة أمَة في حياة بطل. شهداؤنا عاشوا على بركة البطولة، وكتبوا في مشاويرها القواميس، فتحلَوا بملوكيَة نادرة زلزلت أعواد الموت. شُدَوا الى الأرض كما الفلذة الصخرية، فحكم بينهما تلازم لا ينهيه الاَ الأبد.

كان زهوهم معانقة الوطن في مصالحة سرمدية، تذوب في ذاته ذواتهم، ويتمرَغ ترابه بدمهم الذي يمتدَ على مساحة الخارطة، لتنبت أرزات ما تعوَدت، كما هم، أن تحني الجبين مهما قسا عليها التراب.

فيا مَن تقيمون حيث نورانية الحق والخير، لكم بين كلَ نبضة ونبضة تذكار، فمَن تعوَد سُكنى القلوب لا يموت أبدا.

خبر عاجل