لا نكرّمهم بل نتكرّم بهم، بذكراهم. تدور الايام، تلوح يد شهيد، أنا هنا لم أفارق يقول. الى تلّة غيم حيث عرش السماء يبتسم لنا، لا تنسوني يا رفاق اشتاق اليكم، لا أستطيع النزول ولا أريد أن تكونوا الآن بجواري، بكير بكير كتير بعد، لكن مع كل بيت مسبحة، مع كل وردة فوق روحي، أكسب رفّة قلب، رفّة حب، بسمة، أمل.
احب أن أعرف أني لم أتحول رماداً من ذكرى، قبر النسيان موجع، لم ادفن بعد ولا أريد، لذلك أنا سعيد لانكم تجعلونني أعيش معكم الايام طيفاً حنوناً هائماً فوق روح القضية.
عن جد أنت سعيد؟ انت غائب عن تفاصيلنا، بعيد في مساحات ضوئية عن حقل رؤيانا وسمعنا ووجودنا هنا.
يضحك، يا الله تلك البسمة الطفولية المشحونة بالحب، أنت مخطئ أنا هنا، عندك في القلب، في خوفك ومشاعرك وحنانك وغضبك… أنا في البندقية التي بها واجهت الاحتلالات والمعتدين… أنا في دمعة أمي وعنفوان أبي… انا في رائحة الارض عندما تعبق بأول شتوة بعد طول عطش… أنا في ورق ايلول ومواسم العودة بتشرين وعواصف كانون وعبق نوّار… أنا في وردة الحديقة وفي الارزة التي تزرعها لتخلّد الانسان فيك… انا في شريان لبنان طالما انت تحمل اسم مناضل لاجل اسمه…
يصمت، وينك؟ هل ندهتك ملائكة السماء لانجاز مهمة؟ يكشح غيمة، ستارة السماء، يضحك، مهمات السماء هموم الارض يقول، ونحن كما على الارض كذلك في السماء نعمل ليل نهار من دون توقّف لنوقف شلالات الموت والشر الهادر في الارض. يعني أنتم فعلا ملائكتنا في السماء؟
شعور رائع أن نعرف انكم تحيطون بنا، تحومون من حولنا، تكتبون فينا تقارير لن يقرأها مخابرات الاحتلال السوري أو ما شابه من شياطين الارض، انما الرب يسوع ليسطّر فينا مواكب حماية تقينا شرّ نفوسنا قبل الاخرين. صمت، لا جواب، لعل للسماء أسرارها وملفاتها السرية، ولعلهم فوق يناضلون أيضا لأجلنا.
أنسحب الى صورهم المتبقية منهم، أقف الى بلاطة باردة حفر اسمهم فوقها، المس الصليب الذي يزيّن باب بيتهم الاخير ولا أستطيع أن اسمّيه القبر، أخاف، في القبر غياب موحش مريع، أتطلّع الى صورة القيامة حيث يسوع يطأ الموت ويهب الحياة للذين في القبور، فأعرف انهم لم يموتوا كما نظن، هم في كل التفاصيل… هم في روح يسوع فينا، هم في الارض التي ما زالت تناضل باللحم الحي وبأرواح شهدائها لتبقى أرضا حرّة مقدسة، هم في نضالنا في تعبنا المضني المميت أحيانا لنسترد كرامة وطننا ونجعله قبلة الاوطان رغم الجحيم المفتوح علينا في وجهنا.
ترى هل يعرفون فعلا ما نواجهه؟ ترى هل يعلمون كم خنجر طعن بشهادتهم؟ في سجّل السماء هم استشهدوا مرة واحدة، لكن في سجّل الارض هم يقتلون كل يوم هل يعلمون؟ ألم يصبوا باليأس، بالاحباط لأن الارض التي استشهدوا لاجلها ما زالت ليست بأفضل حال كي لا نقول انها في أخطر أيامها؟ ولماذا اذن استشهدوا؟!
فجأة يكشح غيمة عالقة، كان ذاهباً في مهمة فعاد ليرسل عبري رسالة، يبتسم بنعومة بطهارة بعنفوان، هل سمعت يوما أو قرأت عمراً حكاية وطن انتهت حكاية نضاله مع قافلة شهداء؟ هل توقفت الحرب في نهر الشهادة في زحلة او الاشرفية او الشمال او الجبل؟
نشق الطريق وانتم على الدرب تسيرون، هذه حكاية وطن لا ينتهي، لبنان حكاية حياة حيث يلعب الاحرار مع الريح ويلعب الاشرار بالناس، نحن نحمل الريح ترسانة شجاعة وهم تحصدهم قبور الارض، لا تستسلم، لا تسأل ما فعلنا ولماذا وما نفعل هنا، احمل البيرق والعب مع الريح، فالريح رائحة السماء والسماء بيت الربّ والربّ سماء لبنان… بخاطرك صلوا من القلب وليس من الشفاه، لنا عندكم ودائع كثيرة، امي وارضي ولا تنسى أن تقّبل عني ابنتي بحبكن كتير.
