الحروب من أخطر الفيروسات التي تصيب البشرية فلا تبقت ولا تذر وتشيع الدمار والخراب بالبنى الاساسية للدول, وتخلخل وتدمر انظمتها الاقتصادية, والاجتماعية والثقافية, ومعالم حضارتها, بل حتى منظومتها العقلية, والشواهد التاريخية البعيدة, والقريبة والحاضر منه, وخصوصا هذا الجراد الداعشي والقاعدة والنصرة وبيت المقدس والصهيونية والاخوانجية.
فالحرب العالمية الاولى اطلقت يد الفاشية في إيطاليا, والنازية في المانيا, والدكتاتورية في البرتغال والفلانسجت في اسبانيا, والحرب على الاتحاد السوفياتي أنجبت القاعدة ثم طالبان وما سمي بالربيع الأصفر العاصف أنتج “داعش” في العراق وسورية وفي مصر وتونس وليبيا ولبنان.
فرق ومسميات وايديولوجيات كأسوأ مثال للايديولوجية المتدثرة بالدين والدين براء من هذا الجنون والعدمية والتوحش والانحراف النفسي الذي يزرع الموت ويجز الرؤوس ويبقر البطون والصدور وينثر الدجل ويحفر الرعب في العروق فهم الخوارج الجدد, وقد خرجوا من اقبية التاريخ بخوائهم العقلي كاسراب الجراد الذي يقضي على الخضرة والثمار ويجتاحون الجغرافيا والتاريخ ويدمرون الحياة البشرية بكل ما حققته البشرية من انجاز حضاري وعلمي, ففي كل منطقة عربية ارتخت فيها قوة الدولة وضاعت هيبتها وضعفت مناعتها الامنية والسياسية والتنظيمية ظهرت فيها هذه الجماعات الارهابية وقطاع الطرق التي يحركها الهوس الايديولوجي التكفيري والغريب في هذا الفائض من الدم الذي يلف الوطن العربي من اقصاه الى اقصاه تذكرت الحرب الاهلية اللبنانية العبثية فقد كانت حربا انتحارية لم يسلم منها حتى من اشعلوها في العام ,1975 وأوشك لبنان الاخضر الذي عشقه كل من امتلأت رئتاه بهوائه ان يتحول الى هشيم وضاع ما ضاع من الطاقة والدماء والرجال والنساء والاطفال والبيوت والعمارات لكن البلد الجميل والعنيد الذي احترق ناي الرحابنة من زفيرهم وهم يغنون له ولانه كان مطلوبا ان يكون عدده كعدد طوائفه واثنياته, فهذا الوطن الصغير كقبضة طفل والشاسع سماء وجمالا وثقافة وفنا شهد ما لم يشهده بلد آخر من اليأس والرجاء والحزن والفرح وصوت المدافع تعانق صوت الغناء وكؤوس الشراب, حتى الاشجار بدت كأنها ترقص لكنها كانت تمشي في جنائز من زرعوها إو قطفوها في مواسم الزمن الاغبر وخلال الاربع سنين الماضية يشهد صولات وجولات سياسية مكوكية من أطراف عربية ودولية واقليمية تحت عنوان واحد هو الحيلولة دون اندفاع الخلاف الى تناقض والتناقض الى اشتباك وقد راوح لبنان خلال الاونة الاخيرة بين هدوء مشوب بالحذر وصخب سياسي ملجوم ولم ينفجر لكن هذه المراوحة ليست ذاتية وثمة عوامل وعواصف تعبث باتجاه البوصلة ولبنان مثال لوضع تتحشد فيه التناقضات وتتعايش وفقا لاعراف سياسية وتضاريس طائفية ولكنها تنفجر في احيان اخرى عندما تنسد الافاق خصوصا في “عرسال”والتهديد الداعشي المجرم للبنان بينما فريق من اللبنانيين يهول الخطر وفريق يستخف ويهون من خطورته اما الاجابة تكون بالغة السذاجة اذا ارتهنت للرغائب والنوايا فلا هذه ولا تلك ما يمكن الاعتداد به فالمسألة اللبنانية حين تتفاقم وتجد ما يغذيها سعيا للانفجار بدلا من الانفراج تتحول هذه المسألة بالدلالة الدقيقة الذي يتحدد منه ومن خلالها مصير وطن ومستقبل شعب وهو ما يشتهيه اعداؤه بحيث ينوب عن اعدائه بتدمير ذاته, فهل اخفقت كل المضادات التي تناولها لبنان لعدم تكرار القتل المجاني وتدارك ما تبقى من اخضر في جباله وسهوله, وقلوب اطفاله؟