
باصات النقل ملأت كلّ المداخل المؤدية إلى مقر معراب الرئيسي. رائحة مكابحها تملأ المكان، والمنظمون يسبقونك إلى السلام والتحية غير مبالين بالتعب البادي على وجوههم، على حد قول السائق الذي كان يقودنا إلى المكان: «انشالله بتعيشوا ميّة سنة وبتقدسوا»، يقول جورج، مضيفاً: «لم تتوقف الباصات عن نقل المواطنين من قبل الضو»، مشيراً إلى أنه نقل الآلاف حتى الساعة.
أما الذين يقصدون معراب للمرة الأولى، فلم يصعب عليهم الوصول لأنّ أعلام «القوات» بدأت من منعطف بكركي، وامتدّت على طول الطريق من حريصا وصولاً إلى معراب.
النظام وبشير والصليب ثلاثية الساحة
امتلأت الساحة، وكالعادة كل حسب رقمه. بشير والصليب والنظام أسياد الساحة… صليب خشبي كبير يعتلي منصة خشبية زُيّنت بالورود البيض المنسّقة ببساطة لا متناهية خرقت قواعد الجمال ليصبح عنوان الجمال الأبيض في معراب واحداً ببساطته وبعمق معانيه. صورة بشير الجميّل اعتلت الصخور ككلمة الحكيم الذي لما أطلّ، التهبت الأكفّ من التصفيق وليس القلوب، لأنَّها بقيَت ملتهبة ولم يُبرّدها إلّا كلمته التي أثلجت قلوبهم وأطفأت نيران غضبهم وطمأنتهم.
جعجع يُحذِّر
الحكيم كان مختلفاً ومتجدّداً عكس بعض القراءات السياسية الخشبية. وعلى رغم علامات التأثر التي بدت على وجهه منذ دخوله الساحة، والتي لم تفارق وجهه طول فترة الذبيحة الإلهية، وخصوصاً خلال إلقاء المونسنيور لويس البواري كلمة مؤثّرة طالب فيها القادة الأبطال المتميزين بمبادرات بطولية متميّزة شبيهة بتقديمات شهداء «القوات» والمقاومة المسيحية البطلة، لترقص عظامهم فرحاً… فصفَّق لها الحضور طويلاً، إلّا أن الحكيم فاجأ الجميع بالنبرة القوية التي بدأ بها خطابه، في الوقت الذي لم يتوقع الحاضرون أن يبدأ كلمته بحدية وحنكة، لأن علامات التأثر المتأججة بدت واضحة على وجهه، إنما لم يُحسن قراءتها سوى القلائل.
الخط الأحمر عاد وذكّر به قائد «القوات» عندما ذكر «داعش»، معتبراً أنها حالة عابرة، معترفاً بأنها بربرية وحشية وبدائية، متوعّداً وواعداً بأنّ المقاومة اللبنانية هزمت أشكالها في الماضي وستهزم أخواتها في المستقبل.
منبّهاً من الجهة التي خلقت منها «داعش» وأمثالها، فأوضح أنها لم تخلق بسحر ساحر بل بقدرة أسد، محذّراً من تحوير أنظار اللبنانيين عن الأعداء المتربّصين والذين ذبحوا الأطفال في سوريا وأبادوهم بالبراميل المتفجّرة وسفكوا دماء المسيحيين في أقبية السجون السورية.
وعلى رغم اعترافه بوحشيّة «داعش»، لم يفرّق جعجع بينها وبين «وحشية نظام الأسد وبربرية حزب الله»، الذي، في رأي جعجع، «كان داعشياً في اصطياده أبطال ثورة الأرز عندما سيقوا إلى الذبح عند اغتيالهم بدهاء فيما أخفى قاتلهم معالم الجريمة»، فلم يختلف عن «داعش» سوى أنّ الأخير ذبح وقتل علناً بيدين عاريتين، فيما هم ذبحوا في الخفاء وفي قفازات مخملية، معتبراً أنّ خطر هؤلاء أخطر من «داعش» الزائلة والعابرة لأنها تسير عكس منطق التاريخ والتقدّم، وهي ستكون مرحلية وستحرق نفسها بنفسها.
ودعا جعجع المسيحيين إلى عدم الخوف منها ومن سواها، لأنّ لبنانهم سيبقى لهم ولأنّ دم شهداء المقاومة الفعلية التي يُصلّى من أجلها، قد زهّر في أرض لبنان وسبَّب بقاء المسيحيين صامدين حتى اليوم، مكرّراً أن «لا «داعش» ولا غيرها يستطيعون إنهاء وجود مسيحيّي لبنان وسلخهم عن أرضهم».
تعليقات الحاضرين كانت حاضرة في كل محطات كلمة «الحكيم». أما المشهد الملفت، فكان عندما نسيَ الحضور التعليق على إمكان وصول الجنرال إلى الرئاسة، ليُعلّق جعجع عنهم قائلاً مع ابتسامة عريضة: «فشر». مردفاً «هم قالوا وليس أنا»! ولفت إلى أنّ البعض يحاول قطع رأس الجمهورية ليتربَّع هو على رأسها.
جَعجع يرفض التسلّح
يرفض جعجع فكرة التسلّح والقتال والأمن الذاتي، تاركاً المهمة للجيش اللبناني الذي أثبت قدرته، مذكّراً بأنّ المقاومة اللبنانية كانت السبّاقة إلى حماية الوطن في العام 1975 وخصوصاً عندما غابت الدولة ومكوّناتها عن الساحة، فهبّت المقاومة المسيحية لمساندة الجيش وحماية الوطن وحماية وجودها وهي اليوم جاهزة لمساندته مجدداً، موضحاً أنّ الإيحاء للمسيحيين اليوم بضرورة استعادة التسلح وجرّهم إلى القتال، فهو هدف «حزب الله» والخصم لإضعاف المسيحيين وإسقاط دور الجيش وإضعاف دوره.
«إنّما…» ردّدها جعجع أكثر من ثلاث مرات، «إذا دعا داعٍ أو سواه، فـ«القوات» ستقاتل مجدّداً مع الدولة»، لتعلو الصيحات «بدّك بدلات منلبس»، وترتفع أعلام «القوات» ترقص وكأنها تقاتل ليشعر الحاضرون أنّ الأعلام تحوّلت سلاحاً… حتى ماري فريحة وقفت تُهلّل بعلمها في يد وتتكئ في اليد الأخرى على كتف زوجها.
وصلت الأمانة
في طريق العودة، خيّم الليل على سماء معراب، لكنّه لم يتمكن من التخييم في قلوب الحاضرين والمغادرين الذين تباهوا وتفاخروا بالعنفوان الذي جسّده الحكيم في كلمته، العنفوان المسيحي الذي أرادوه بشدّة وأتوا يبحثون عنه في معراب، على حدّ قول حنا أبو ملهب القواتي العتيق الذي أصرّ على أنّ القواتي المسيحي لم يضعف إلّا حينما ترك «البارودي»، مشدّداً على «ضرورة إعادة تسلّحه ليكون هناك توازن في القوى المسلحة على الساحة اللبنانية»، معلّقاً على كلمة الحكيم بالقول «إنّ المسيحيين كانوا يحتاجون إلى خطاب سمير جعجع الذي أعاد خطاب القادة المسيحيين الأقوياء إلى الواجهة، الذين لا يستجدون الحماية من أحد سواهم كما أنهم ليسوا أهل ذمة».
أما ماري فريحة فقد لفّت كتفها بالعلم الأحمر والأبيض والأخضر الموحّد للبنان و«قواته»، تنتظر الباص لتعود مع زوجها إلى قريتها الشمالية البعيدة.
وعلى رغم اعترافها بأنّها ستصل قرابة منتصف الليل إلى قريتها، فإنها أسرّت في أذني أنّ كلمة الحكيم أثلجت قلبها، فتناست أنّ العمر والألم أفقداها حاسة السمع، معترفة أمام جميع العائدين في الباص معها أنها سمعته بحواسها الباقية واستراحت، مبلغة إيانا أنّها إذا فارقت الحياة ولم تعد للمشاركة في السنة المقبلة، يكفيها أنّها ستنقل إلى ابنها الشهيد والمقاوم الحقيقي رسالة الحكيم… «كما كان شهداؤنا… سنكون أيضاً». لينام بسلام.