#adsense

“موت الأبد السوري: شهادات جيل الصمت والثورة”

حجم الخط

يروي كتاب “موت الأبد السوري: شهادات جيل الصمت والثورة” فصولا من حقبة رمادية من حياة السوريين الصامتة بعد مقتلة حماة عام 1982 وفصولا أخرى بعد خروجهم على الصمت والقهر في ثورة لا زالت مستمرة منذ آذار 2011.

الكتاب عبارة عن سيرة حياة الأشخاص ووقائعهم وشهاداتهم في مادة هذا التأريخ الإخباري الذي عاشه الرواة الذين يقدمهم الكاتب محمد أبي سمرا في عدة فصول.

هناك العديد من الروايات يطلعنا عليها أبي سمرا في حياة السوريين العائلية والإجتماعية في المدن والقرى والمدارس والجامعات، في المعتقلات وأقبية التعذيب، المعاناة في الوطن والمعاناة في الهجرة والغربة. انه يروي كما في عنوان الكتاب، موت الأبد في سوريا ومحاولة التملص من الأبد ليصبح للسوري تاريخ جديد، أو على الأقل فسحة حرية يتمكن فيه من كتابة تاريخه بحرية أكثر.

في الفصل الأول مثلا، يروي مواطن سوري لبناني يحمل الجنسية الأميركية أيضا يدرس في جامعة شيكاغو. تنقل روايته شهادة عن الحياة اليومية وتتجاوز الحياة الجامعية البحتة الى وصف الخواء الذي يكتنف حياة الطلبة الجامعيين.

في فصل آخر من الكتاب، نقرأ قصة أحد مؤسسي “التيار الوطني الحر” المناهض للإحتلال السوري للبنان وشهاداته الحية عن إعتقاله واستجوابه في أحد سجون “الإستخبارات السورية”  في بيروت عام 1994.

فصل آخر ينقلنا الى بانياس في الثمانينات ويوميات انتفاضتها وأحوال شبابها الثائرين ومنظمي مظاهراتها من المساجد الى الشوارع وعن الناشطين الذين يختارون طريق اللجوء في لبنان حتى لا يتعرضوا للإعتقال. الملتجئون الى لبنان يروون حياة السوريين في ظل نظام الأسد الذي استولى على كل شيء في سوريا، وأوقف عجلة التاريخ لتضحى سوريا خارطة كبيرة من البائسين الخائبين، حيث تقفل السماء كلما لاحت في أفق حياتهم بارقة أمل أو موجة حرية.

أبي سمرا لا ينسى أيضا كيفية تعامل النظام السوري مع القرى المسيحية. والمشهد يتكرر باستمرار في سيناريو مدروس ومتكرر. تتعرض ضيعة معينة لنيران من أسلحة رشاشة، ويختبئ الأهالي في بيوتهم. بعد هذا المشهد الذي ينشر الرعب، تندفع مجموعات من رجال الأمن لترويع المسيحيين أكثر وإيهامهم أنهم جماعات إسلامية سلفية متشددة تهاجم قراهم. وتستكمل المسرحية بأن يدخل الجنود السوريون لاحقا القرى المسيحية مدّعين أن الجيش السوري جاء لحمايتهم من هجمات السلفيين الإرهابيين. بعد هذه الحملة المساندة للمسيحيين كما يدعون، تتوجه هذه الجماعات بالذات الى قرى السنّة إقتصاصا على هجماتهم المزموعة، ويكبر الخلاف بين الجيران.

لكن الأهالي لا تخفى عليهم هوية المهاجمين الحقيقية، وهم يعرفون أن الذين جاؤوا هم من القوى العلوية وقام رجال الأمن بتجنيدهم لقاء أجر مدفوع للقيام بهذه المهمات. ثم أن هيئات المهاجمين وأعمارهم وملابسهم تشير في غالب الأحيان الى هويتهم التي لا تخطئها خبرات السوريين وتجاربهم المريرة مع النظام. فرجال الأمن وأعوانهم من الشبيحة غالبا ما يكونون في الأربعين وما فوق، ومعروفون بأحذيتهم الرياضية وملابسهم المدنية، ويتركون لحاهم نابتة، أما المجنّدون، فيستخدمونهم في الإقتحامات فقط، وحملات التأديب والترويع، وهم في غالبيتهم من الشباب الحديثي السن، جنّدوا بالتجنيد الإجباري تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والعشرين، وغالبيتهم من السنّة.

فصل آخر يروي عن مواطن سوري الجنسية لبناني النشأة. وفد في خمسينيات القرن العشرين الى بيروت فعمل فيها وتزوج من لبنانية طرابلسية وأنجب منها أبناءً ثلاثة. وبعد تلقيه الشهادة الثانوية في بيروت، انتقل الى دمشق وبرز في جامعتها، فتفوق في الهندسة الميكانيكية، ثم سافر الى إسبانيا لمتابعة دراسته العليا. وبعد عودته الى دمشق، رفض الإنتساب الى “طلائع البعث” في دمشق مما أدى الى حرمانه من معادلة شهادته الإسبانية في سوريا والقضاء على فرصه في التعليم بجامعتها.

فصل آخر يقدم صورة بانورامية ميكرو-سوسيولوجية تتناول سيرة عائلة توزعت حياتها وإقامتها بين حمص وبيروت في ستينات القرن العشرين. مع بدء الثورة في سوريا، يستفيق ذاكرة الراوي على عزوفه عن فكرة الهجرة الى بلد أوروبي، فيلجأ الى لبنان وتتحول غرفته البيروتية الى ملتقى ناشطين سوريين من بعض المدن السورية المنتفضة.

أخيرا يقوم الراوي بزيارة سرية الى حمص ومن هناك يروي يوميات الثورة ومشاهداته ولقائه مع أحد أعضاء التنسيقيات في المدينة.

كتاب شيق قدّمه لنا محمد أبي سمرا بمصداقية وشفافية ليثبت أن للشعب الحر ذاكرة وإن رفض المستبد أن يطمسها لسنين، فلا بد للحقيقة أن تنجلي في النهاية.

المصدر:
Mon Liban

خبر عاجل