#adsense

كرم رداً على هاشم: صليب اللبنانيين الأكبر قصة عقد النقص

حجم الخط

كتب الوزير طوني كرم لموقعنا، رداً على مقال الوزير جوزيف الهاشم المنشور في الزميلة “الجمهورية”، نهاية الاسبوع الفائت تحت عنوان:

“صليب” جوزف الهاشم

لم تكن اوضاع المسيحيين في لبنان لتصل الى ما هي عليه اليوم، لولا بطانةٍ سياسية فاسدة تولّت السلطة في اصعب مرحلةٍ وادّق ظرف. فعوض ان تتفرّغ لتثبيت الوجود المسيحي، جعلت جل اهتمامها تكديس الثروات وابرام الصفقات وسرقة مقدرات الدولة، او توزيعها على المحسيب.

وعوض ان تهتم هذه البطانة الفاسدة بالواقع الوجودي المسيحي من خلال اجتراح افضل السبل لتدعيم هذا الوجود وتمتين عراه، راحت تتبّع اساليب الخردقة، والتحريض وتصفية الحسابات السياسية الداخلية موقعةً بالمسيحيين في الجبل والإقليم وشرق صيدا افدح الخسائر، ومتسببةً باختلالٍ في ميزان القوى السياسي لا يزال المسيحيون يُسددون ثمنه لغاية اليوم!

الصليب الذي يتحدّث عنه الوزير الاسبق جوزف الهاشم ما هو إلا صليب مسيحيي الجبل ومعهم ثلُّةً من المقاومين قادهم سمير جعجع، فيما المُنظرّون والسفسطائيون الجُدد يتمرّغون عند اعتاب البلاط، يُبرّرون للسلطة السياسية تخلّفها عن نجدة مواطنيها، خشية فقدانهم بعض امتيازاتهم.

في العام 1988 لم يكن سمير جعجع مرشحاً رئاسياً، ولا طامحاً حتى لأي منصبٍ رسمي، ومع ذلك وقعت الرئاسة في محظور الفراغ، لغايةٍ في نفس تمديدٍ ما.

حينها، لم يكن الفراغ ناتجاً عن معادلة عون – جعجع، وإنما جاء تتمّةً حتمية لموجة التقهقهر المسيحي التي بدأت منذ لحظة استشهاد البشير.

قصة “الصليب الرئاسي” لم تبدأ إذاً في العام 2014، وإنما في 23 ايلول 1988، او ربما قبل ذلك، وهي قصّة لم تعد خافية على احد، تتردد فصولها منذ ذلك الحين على كل شفةٍ ولسان.

قصة “الصليب الرئاسي” تواصلت في العام 2007، حينها لم يكن سمير جعجع مرشحاً ايضاً، ومع ذلك شغر موقع الرئاسة لأكثر من 6 اشهر، ولولا تدخّل سوريا وإيران لسحب ترشيح صاحب نظرية “انا او لا احد”، لكان الفراغ الرئاسي مستمراً من دون انقطاعٍ منذ ذلك الحين.

عندما اعلن سمير جعجع ترشحّه للإنتخابات الرئاسية في 4 نيسان 2014، كان يُعوّل على وصول رئيسٍ مسيحي قوي الى سدّة الرئاسة، لا بعض الرماديين الوصوليين الهامشيين الذين يتحيّنون الفرص، ويبنون على الخلاف القواتي – العوني للوصول عبر تسويةٍ ما. ولم يكن هدف الدكتور جعجع وضع فيتو على أحد، وإنما كان السبّاق الى الإعلان عن نيتّه بتهنئة الجنرال اذا ما فاز الأخير بالطرق الديموقراطية المعروفة.

إن المعركة الرئاسية التي تدور حالياً، ليست معركةً مسيحية – مسيحية محصورة بين جعجع وعون بخلاف ما يحاول الوزير الهاشم تصويرها، وإنما هي معركةٌ بين مشروعين ونهجين وخيارين، الأول يقوم على بناء الدولة واحترام المؤسسات والإستحقاقات ويمثلّه سمير جعجع وقوى “14 آذار”، والثاني يقوم على التعطيل والإبتزاز والسلاح غير الشرعي ونظرية “أنا او لا احد”، ويمثلّه حزب الله والعماد عون وقوى “8 آذار”.

لو كان انسحاب الحكيم لصالح الجنرال، يأتي بالمّن والسلوى للمسيحيين، لكان الحكيم اول من يُزكّي الجنرال. لكن هذا الإنسحاب لن يضع المسيحيين إلا في فم التنين، فـ”القوات اللبنانية” لن تُعيد تكرار تجربة العامين 1989-1990، يوم انكفأت الى الخلف موكلةً زمام القيادة للعماد عون، وكانت نتيجة ذلك: فشل ذريع، موت مريع ودمار سياسي وعمراني وثقافي واعلامي لا يحدّه وصف ولا نزال ندفع اثمانه الى اليوم.

لقد كان الدكتور جعجع السبّاق الى طرح مبادرةٍ رئاسية للوصول الى مرشح تسويةٍ، لكن الرفض جاء من الرابية، وبالأمس اعادت قوى “14 آذار” طرح هذه المبادرة من جديد، لكن الرفض جاء من المكان ذاته ايضاً.

إن ترشّح الدكتور جعجع الى الرئاسة ليس المشكلة، وإنما إصرار العماد عون على معادلة “انا او لا احد” هو المشكلة. وان انسحاب جعجع من المعركة الرئاسية ليس الحل لمشكلة الفراغ، لأن التعطيل والفراغ هدفه وصول “عون او لا احد”، لا خروج جعجع ودخول اي احد.

اما قصة الصليب الأكبر الذي يحمله اللبنانيون فهي صليب التعمية المقصودة، والسعي الدائم الى خلط المذنب بالبريء، والصالح بالطالح منعاً للاحراج وتفادياً لقول الحقيقة. فيعمد هؤلاء الى تصنيف الناس اعتباطياً ويلقون التهم والمسؤوليات جمعاً بغية تفادي المواقف الواضحة التي تحرمهم بعض الرضى وتعيق طرح اسمهم في المواسم.

قصة الصليب الأكبر الذي يحمله اللبنانيون هي قصة عقد النقص التي تتملّك بخيارات البعض وتصرّفاتهم تجاه كل الكبار والقادة العصاميين، الذين يفدون شعبهم الذي يريد و/او الذي لا يريد فعلاً لا قولاً فقط، وبالغالي والنفيس، حتى الاعتقال والاستشهاد.

وما دام الشيء بالشيء يُذكر، فالى الوزير السابق جوزف الهاشم الذي يتباكى على “صليب المسيحيين”، مع انه كان في الأمس القريب ملهياً عن آلامهم وتهجيرهم وصليبهم، بالإقتراع على “اتصالاتهم، وبريدهم وبرقهم، وصحتهم، وشؤونهم الإجتماعية”، هذه الأبيات بتصرّف من قصيدة الشاعر ابراهيم طوقان:

“كل افضالكم على الرأس والعين

وليست في حاجةٍ لدلالة

ولئن ساء حالنا فلأنّكم

من أوصلنا لأسوأ حالة”

خبر عاجل