تحضُرُني في هذه الأيام حكايةُ الفلاح المُحتَضر الذي أوصى أولادَه أن يبقَوا موحَّدين كرزمة العيدان التي يستحيل كسرها، وأن لا يؤخذوا فُرادى.
ذلك أن النيران الداعشية التي تأكل الأخضر واليابس من حولنا، تدعونا الى المزيد من اللحمة والوحدة. إذ لا إمكانية لصدِّ محاولات التسلل الى داخل جسمنا السياسي الا عبر فهم ما يحاك لنا وعدم الانجرار الى صدامات داخلية لا تخدم الا العدو المتربص بنا.
فما حصل مؤخراً من خطف وخطف مضاد في منطقة البقاع، ليس نذير خير البتة، إذ أنه رغم تنصل مختلف القوى السياسية والحزبية والدينية من هذه الممارسات، ورغم الدعوات الى عدم الانزلاق الى الفتنة والى إطلاق سراح المختطفين، فإن النفوس المشحونة جرَّاء التعبئة السياسية لم تهدأ بعد، وهي بالطبع لن تهدأ نتيجة تمنٍّ من مسؤول أو مصالحة بين مرجعيات.
فعلى الذين يحمِّلون مسؤولية ذبح أبنائهم على يد داعش لشركائهم في الوطن، أن يعوا أن جلَّ ما يريده داعش هو الفتنة الداخلية كي يتسنى له التسلل الى جسمنا السياسي من شق خلافاتنا وانقساماتنا؟
وتفويت الفرصة على أعدائنا لا يكون بالانجرار الى الانفعالات غير المسؤولة من قطع للطرقات أو إطلاق للتهديدات أو اختطاف للمواطنين، وإنما بالإيمان بالدولة ودعم موقف الحكومة والتسليم بمرجعية الجيش والقوى الأمنية.
أما تفاوض الحكومة غير المباشر مع مُحتجِزي الجنود اللبنانيين، فلا بد وأن يترافق مع إجراءات قضائية استثنائية تقضي بمحاكمة الإسلاميين القابعين في السجون اللبنانية في وقت قياسيٍّ، فنكون بذلك قد أحققنا الحق من غير أن نخضع لابتزاز داعش، ونكون قد وفَّرنا على لبنان خضَّاتٍ أمنيةً وسياسية وعلى أهل العسكريين مأساة ًجديدة قد تأتينا من باب هذا المِلف.