
افتتح بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة ورئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي الندوة الدوليّة حول “التعليم المسيحيّ في الشرق الأوسط، القضايا والتحديّات في ضوء التبشير بالإنجيل”، التي تنظمها الهيئة الكاثوليكيّة للتعليم المسيحيّ في الشرق الأوسط وكليّة العلوم الدينيّة والمشرقيّة في جامعة الروح القدس – الكسليك، وذلك في قدّاس احتفالي ترأسه في قاعة البابا يوحنا بولس الثاني في الجامعة، عاونه فيه متروبوليت صور للرّوم الملكيّين الكاثوليك ورئيس اللجنة الأسقفيّة للتّعليم المسيحيّ في لبنان المتروبوليت ميخائيل أبرص، الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية الأباتي طنوس نعمة، رئيس الهيئة الكاثوليكيّة للتّعليم المسيحيّ في الشرق الأوسط الأب كلود ندره وعميد كليّة العلوم الدينيّة والمشرقيّة في جامعة الروح القدس – الكسليك الأب زياد صقر، بمشاركة السّفير البابويّ في لبنان المطران غبرياله كاتشا، ممثلي بطاركة الكنائس الشّرقيّة الكاثوليكيّة، وعدد من الأساقفة والآباء ورئيس جامعة الروح القدس – الكسليك الأب هادي محفوظ.
وحضر القداس رئيس المجلس العام الماروني الوزير السابق وديع الخازن على رأس وفد من المجلس وجمع من الرؤساء العامّين والرئيسات العامّات والوفود المشاركة في المؤتمر من 13 دولة شرق أوسطية وفعاليات دينية وإعلامية وتربوية واجتماعية.
وبعد الإنجيل المقدّس ألقى البطريرك الراعي عظة تحدث فيها عن “الرسالة التي نحملها كلّنا إلى المسيح الرب، ونحن مؤتمنون عليها. وهذه الرسالة منوطة بقلوبنا المُحِبَّة، منوطة بإيماننا وثباتنا ومواهبنا، وكل شيء فينا هو من أـجل هذه الرسالة… ” كما تطرّق الراعي إلى ما تعانيه اليوم بلدان كثيرة في الشرق الأوسط، من حروب ودمار وتهجير وظلم ونزاعات وإيديولوجيات تحارب الكنيسة، معتبرًا أن ذلك يدعونا للصلاة. فالشرق الأوسط بأمس الحاجة لإنجيل يسوع المسيح، إنجيل السلام، إنجيل الأخوة، إنجيل الوحدة بين أبناء العائلة البشرية…
وبعد القداس، بدأت الجلسة الافتتاحيّة للندوة الدولية بالنشيد الوطني اللبناني، تلاه نشيد “Christus Vincit” أي المسيح انتصر.
برّاك
وقدّم الجلسة الإعلاميّ بسّام برّاك الذي اعتبر أنّ “الشرق الأوسط هو شرق الجراح المسيحيّة وعلى جبهة بحره وجبين رماله تعلو جلجلة تنزف. والشرق أكثر تمسّكاً بالشهادة المسيحيّة قولاً وممارسة وعلماً وتعليماً”.
كاتشا
ثم ألقى السفير البابوي المطران غبرياله كاتشا بركة قداسة البابا فرنسيس التي رفع فيها صلاته على نيّة المشاركين في هذه الندوة. وقال فيها قداسته: “في خضم الصعوبات الكبيرة التي يواجهها الكثير من المؤمنين في الشرق الأوسط، ينبغي أن نؤمّن لهم دعماً فعّالاً من خلال تعليمٍ مسيحيٍّ يراعي واقعهم، ينبع من المسيح ومن محبّته للجميع ويحيي من جديد رجاءهم”. وشدّد الحبر الأعظم على ضرورة وجود محبّة المسيح في قلب المسؤولين عن التعليم المسيحيّ ومعلّميه حتّى نستطيع أن نلتمس في حياتهم فرح إعلان الانجيل.
صقر
ومن جهته، رأى عميد كليّة العلوم الدينيّة والمشرقيّة الأب زياد صقر “أنّ هذا الاهتمام المتزايد بموضوع التعليم المسيحي في الشرق يُبرز الرغبة الصادقة والشاملة في توضيح ثوابت وصور وأفكار إيمانية شوهتها بدع وهرطقات وحروب وسياسات”.
واعتبر “أن لقاءنا اليوم يأخذ طابعًاخاصّاً “كأنه مجمع كنسيّ شرق أوسطي مصغّر، إنه لقاء يجمعنا مع صاحب الغبطة وأصحاب السيادة الذين يواكبون مرحلة دقيقة من تاريخ شرقنا، تتفاعل فيها تيارات مختلفة وعليهم تقع مسؤولية التعليم المسيحي وتحديث التبشير بالإنجيل في عالمنا المعاصر وإيجاد السبل والوسائل الكفيلة بتفعيلها في نفوس المؤمنين وقلوبهم وعقولهم وحياتهم”.
كما حثّ الجميع على المحافظة على التراث الروحيّ الذي بين أيدينا إذ أنّ “الحداثة تكمن في الجمع بين التقليد والتجديد، بين ثوابت الإيمان والعصرنة، بين المحافظة على الهوية وتحديات هذا الزمن”.
ندره
وكان لرئيس الهيئة الكاثوليكية للتعليم المسيحي في الشرق الأوسط الأب كلود ندره كلمة اعتبر فيها “أنّ عنوان تعليم صاحب الغبطة، أي “شركة ومحبّة”، يختصر التعليم المسيحيّ في بعديه وأضاف: “نحن المؤمنون نعلن الله الثالوث واحدًا في شركة محبّة كاملة الآب والابن والرّوح القدس، وفي الوقت عينه نعلن الكنيسة شركة بالمحبّة الإلهيّة لإحياء الشّركة وعيشها مع الإنسانِ كلّ إنسان، من أجل بناء إنسان يؤمن يترجّى ويحبّ. هذا الهدف السّامي هو هدف التعليم المسيحيّ. هذا التعليم المستند إلى الوحي الإلهي الّذي نستقيه في آن معًا من الكتاب والتقليد، اللّذينِ يشكّلان ديناميّة واحدة لا تنفصل ولا تتجزّأ…”
وتوجّه الى شعوب الشرق الأوسط بالقول: “أيّها الإخوة المشاركون من بلدان الشّرق الأوسط والخليج ومن لبنان أتيتم اليوم للمشاركة في أعمال المؤتمر الثالث الذي تنظّمه الهيئة تحملون معكم هموم كنائسكم وإخوتكم الممتحنين في حياتهم والمهدّدين في شهادتهم، حضوركم هو تعليم مسيحيّ في ذاته، لأنّه حضور إيمان وشهادة رجاء وفعل محبّة. وكلّنا يعلم أن محبّة المسيح إنجلت من على صليبه. فصلباننا هي علامات رجائنا نحملها شارة خلاص وفداء للعالم ولا سيّما لمن “لا يعلمون ماذا يفعلون”.
وحمّل كاتشا عواطف الشكر والبنوّة لقداسة البابا فرنسيس بإسم المجلس الكاثوليكي للتعليم المسيحي في الشرق الأوسط وكليّة العلوم الدينيّة والمشرقيّة في جامعة الروح القدس وكلّ الرهبان والراهبات الذين كرّسوا حياتهم لخدمة رسالة التعليم المسيحي وجميع المشاركين في المؤتمر.
محفوظ
وألقى رئيس جامعة الروح القدس-الكسليك الأب هادي محفوظ كلمة رحّب في مستهلّها بالحضور في إطار هذا المؤتمر عن التعليم المسيحي وفي سنة مطبوعة بصدور الإرشاد الرسوليّ “فرح الانجيل”. وقال: “يغمرنا الفرح، في جامعتنا، بفضل “فرح الإنجيل” الذي يضيء على معنى الوجود وعلى معنى العمل اليوميّ. فشكرًا لقداسة البابا فرنسيس الذي يطلّ أمامنا مثالاً عن المعلّم المسيحيّ، فهو يعلّم في الأقوال وفي الأعمال. أعماله التي تعبّر عن محبّته لكلّ إنسان، وخصوصًا الضعيف، هي شهادة ناصعة عن الإنجيل. وأقواله، منيرة هي، تعكس نضارة الإنجيل وجماله. وهو يقول: “كلّ يوم، يولد الجمالُ، من جديد، في العالم. إنّه ينبعث، وقد حوّلته مآسي التاريخ … إنّها قوّة القيامة. وكلّ مبشّر بالإنجيل هو أداة لهذه الديناميكيّة” (عدد 276).”
واعتبر أنّ “هذه الكلمات تحملنا إلى فرح الإنجيل، وتقوّي كلّ خائف في أيّ بقعة من بقاع الأرض، وخصوصًا في الشرق الأوسط. إنّها كلمات تعزّز في كلّ مؤمن الصلابة في إدارة أمور الحياة، وفي التيقن أن التعليم المسيحيّ، أي نقل الإنجيل إلى الآخرين، هو في الكلمات وفي الأعمال، التي يشهد بها كلّ مؤمن، فيكون، بذلك، معلّمًا مسيحيًّا.”
وخاطب البطريرك الراعي قائلاً: “بطريركنا تماهى والكلمة، في تعليمه المسيحيّ الذي تميّز به عن كثيرين. فهو، منذ بدايات سنيّ كهنوته، تميّز بشرح الإنجيل والتعليم المسيحيّ، وهو الذي كتب الكثير في هذا المجال، وهو الذي يتربع على عرش “بشرى الراعي”، كلّ أسبوع، ليعلن بشرى صاحب الملك في ملكوت السماوات. إنّه صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الكلي الطوبى. فله الشكر من القلب”.
أبرص
أمّا رئيس اللجنة الأسقفيّة للتعليم المسيحيّ في لبنان المتروبوليت ميخائيل أبرص فاعتبر أنّ “موضوع هذا المؤتمر، أي “القضايا والتحديات في موضوع التعليم المسيحي في الشرق الأوسط”، بغاية الأهمية في هذه الظروف التي يعيشها شرقنا الأوسطي. لأن العالم، كما يبدو، فقدَ فرح العيش وهو يراقب ما يجري حوله ويحيا في خوف من المستقبل. دور الكنيسة اليوم بالذات هو تحدي الخوف واليأس وإعطاء الأمل للعالم أجمع عبر تعليمها، أعني عبر إعلان كلمة الله، وخدمة المحبة، وتوحيد القلوب. التحديات كثيرة، ولا يمكننا تجاهلها، لكن إيماننا وتعليمنا وأخلاقياتنا تتخطى كل الحواجز لتفسح الطريق للروح القدس بأن يقوم بمهمته.”
وأضاف: “سنتابع دورنا في التعليم، في إعلان بشارة ملكوت الله غير آبهين بالصعوبات والتحديات، فالمسيحية هي “رسالة تحرير وخلاص وفرح”.
الراعي
وفي ختام الجلسة الافتتاحية ألقى البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي كلمة استهلّها بشكر أصحاب الدعوة إلى هذه الندوة ومنظميها، “راجياً من الله، فيما نضع تحت أنوار روحه القدوس وشفاعة أمّنا مريم العذراء “نجمة البشارة الجديدة”، أن يبارك أعمال الندوة الدولية هذه، ويكلّلها بالنجاح وبالثمار المرجوّة”.
وقال: “تأتي الندوة في أعقاب جمعية سينودس الأساقفة، التي عُقدت في تشرين الأوّل 2012، بعنوان: “التبشير الجديد بالإنجيل لنقل الإيمان المسيحي”. حدّد قداسة البابا فرنسيس، في إرشاده الرسولي: “فرح الإنجيل” (24 تشرين الثاني 2013)، الميادين الثلاثة التي يتحقّق فيها التبشير الجديد بالإنجيل، وهي: الأوّل، ميدان الراعوية العادية التي تشمل فئتَين: جماعة المؤمنين الذين يجتمعون بانتظام في يوم الربّ كي يغتذوا من كلمته ومن خبز الحياة الأبدية؛ والمؤمنين المحافظين على الإيمان بشكل صادق، ولكنّهم غالباً ما لا يشاركون في الحياة الليتورجية. الثاني، ميدان المعمّدين الذين لا يعيشون وفقاً لمقتضيات معموديتهم، فلا ينتمون قلبياً إلى الكنيسة، وبالتالي لا يختبرون تعزية الإيمان. الثالث، ميدان الذين لا يعرفون يسوع المسيح أو رفضوه دائماً. ولكنّ كثيرين منهم يبحثون عن الله سرّاً، ويدفعهم الحنين إلى وجهه.”
وأضاف: ” أمّا الكنيسة فتعمل جاهدةً على إعلان الإنجيل لكلّ هذه الفئات، وهمّها أن تستجيب جماعة الميدان الأوّل لحبّ الله بالشكل الأكمل؛ وأن تلتزم جماعة الميدان الثاني بعيش الارتداد إلى الله، فيعيد إليهم فرح الإنجيل والالتزام به؛ وأن يُعلن الإنجيل لجماعة الميدان الثالث من دون إقصاء أحد، ولا فرضه واجباً على أحد، بل كمن يتقاسم فرحاً مع آخرين، أو يدلّ على أفق جميل، أو يقدّم وليمة مشتهاة. فالكنيسة، يقول البابا فرنسيس، “لا تنمو بالاقتناص بل بالاجتذاب”، بروح المسيح الربّ الذي قال عن نفسه: “وأنا إذا رُفعت عن الأرض، اجتذبت إليّ الجميع” (يو 12: 32).”
واعتبر أنّ “التعليم المسيحي يتوجّه إلى طلّاب في المدارس ينتمون هم وأهلهم إلى هذه الفئات الثلاث. فبينُهم الفرحان بإيمانه والملتزم بيوم الربّ، وبينهم المؤمن بإخلاص والممارس موسميّاً، وبينهم المؤمن الفاتر الذي لا يشعر بالإيمان في قلبه، وبينهم غير المؤمن الرافض، وغير المؤمن الباحث عن سرّ الله. هذا يقتضي من معلّم ومعلّمة التعليم المسيحي الانتباه إلى كل واحد وواحدة من هذه الفئات الثلاث، والإصغاء إليهم والتواصل معهم، والتقرّب منهم بحرارة القلب، ومرافقتهم على مثال المسيح الربّ، ومساعدتهم بفنّ وصبر للبلوغ إلى الإيمان وعدم فرضه عليهم. فالإيمان عطية من الله تُقبل في العقل وتحفظ في القلب ثمّ تنبثق منه. ذلك أنّ الإيمان حقيقة نقبلها في عقلنا فيخضع لها، وفي إرادتنا فتجسّدها أفعالاً ومواقف ومبادرات، وفي قلبنا فنحبّها، ويتحوّل قلبنا إلى مركز حبّ ورحمة واحترام وخدمة وعطاء”.
كما لفت الى أنّ ” المداخلات في هذه الندوة ستُظهِر أنّ التعليم المسيحي لا يتوقّف عند إعلان العقيدة المسيحية بكلّ أبعادها ومحتوياتها، بالشكل التدريجي من صفّ إلى صفّ، ومن عمر إلى عمر، من خلال برنامج محدّد أقرّته السلطة التعليمية في الكنيسة، بل يكتمل في مساعدة كلّ طالب وطالبة على النموّ في الإيمان، وعلى النضج في المحبة التي هي روح الإنجيل، كبشرى سارّة لجميع الناس، التي تركها لنا الربّ يسوع وصية بقوله: “أحبّوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم” (يو 15: 12). لكن النمو في الإيمان والنضج في المحبة يتحقّقان من خلال الكلمة الإلهية، يسوع المسيح، الحيّ القائم من الموت، الذي يرافقنا في طريق الحياة، فينيرنا ويقوّينا ويعزّينا ويحرّك قلوبنا، مثلما فعل مع تلميذَي عمّاوس (راجع لوقا 24: 13-35)؛ ويكتمل هذا النموّ وهذا النضج بالحياة الأسرارية والأفعال الليتورجية، حيث يتمّ اللقاء مع نعمة الفداء التي تشفي نفوسنا من الخطيئة، ومع عمل الروح القدس الذي يبعث فينا الحياة الأبدية الجديدة”.
وأكّد أنّ “من أجل نجاح التعليم المسيحي في المدرسة ونقله من خلالها إلى الأهل والمجتمع، بات من الواجب استعمال تقنيّات الوسائل البصرية – السمعية على أنواعها، وسائر وسائل الإعلام وتقنياته، كما يدعو إليها الدليل العام للتعليم المسيحي. فاستعمالها أضحى أساسياً في الكرازة بالإنجيل والتعليم الديني. والكنيسة تعتبرها الأريوباغس الجديد، والمنبر الحديث والفاعل لمخاطبة الجماهير؛ وتعتبر نفسها مسؤولةً أمام الله، إذا لم تلجأ إلى هذه الوسائل المُعطاة لها من العناية الإلهية. ما يوجب على معلِّمي ومعلِّمات التعليم المسيحي والعاملين الراعويّين الالتزام بمعرفة هذه الوسائل والتقنيات وحسن استعمالها بكلِّ مجالاتها وتقنيّاتها الجديدة، وإحراز الفنّ في نقل رسالة الإنجيل والسّر المسيحي”.
وأضاف: “يحدّد دليل التعليم المسيحي، في هذا الإطار، المهام الأساسية التي يقتضيها التعليم المسيحي وهي خمس: تعزيز معرفة الإيمان، لأنّنا عندما نؤمن بالمسيح ونلتقيه، نرغب في المزيد من معرفته. نقبل عطية الإيمان، ونسعى إلى معرفة مضمونه، وإلى الولوج أكثر في تصميم الله الخلاصي؛ التربية على المشاركة في الأفعال الليتورجية الأسرارية، بفهم رموزها ومعانيها، وبممارستها بالصلاة والتوبة والشكر مع الجماعة المؤمنة؛ التنشئة على الحياة الأخلاقية، لأنّ الإيمان بالمسيح والارتداد إلى الله، يقتضيان السّير على خطى المسيح واتّباعه. إنّها مسيرة “عبور من الإنسان العتيق إلى الإنسان الجديد بالمسيح”، حسب تعبير القديس بولس (كول3: 10). فالكلمة الإلهية التي تُعلن ويُحتفل بها، هي إيّاها ينبغي أن تُعاش؛ تعليم الصلاة والتأمّل، على مثال المسيح الذي كان ينفرد للصمت والصلاة قبل كلّ عمل وبعده، وفي حالات العزلة والخوف أمام كأس الألم. فكانت صلاتُه تمجيداً للآب وشكراً والتماساً وتشفّعاً وثقة واتّكالاً على إرادته وطاعةً لها. وعلّمنا الربّ صلاة “الأبانا” التي هي “مختصر كلّ الإنجيل”؛ تربية الطالب المسيحي على العيش في حياة الجماعة المؤمنة التي أصبح منتمياً إليها بحكم معموديته، وعلى المشاركة في رسالة الكنيسة بقوّة الميرون ومسحة الروح القدس: “روح الربّ عليّ؛ مسحني وأرسلني” (لو 4: 18). وعلى هذا الأساس ينفتح هذا المسيحي على الآخر المختلف بالبعدَين المسكوني على مستوى الكنائس، والحوار بين الأديان. والكلّ على أساس الحقيقة والمحبة”.
وتوجّه إلى معلّمي ومعلّمات التعليم المسيحيّ بالقول: “هذه هي مهامكم في مدارسنا الرسمية والخاصّة والكاثوليكية. لا يمكن الاكتفاء بالتعليم الفكري فقط، بل يجب إكماله بالممارسة الليتورجية والأسرارية أسبوعيّاً بتأمين القداس وسرّ التوبة لجميع الصفوف وإعداد التلامذة لممارستها في الرعية في يوم الربّ؛ وبالتربية على الحياة الأخلاقية، وبالتدريب على المشاركة في حياة الكنيسة ورسالتها. فكلمة الله التي نعلنها ونحتفل بها ونعيشها، ونجسّدها بالأفعال والمواقف والمبادرات، مدعوّة لتصبح حضارة حياة”.
وشدّد البطريرك الراعي في ختام كلمته على أنّه “يقتضي على مدارسنا أن تجعل مادّة التعليم المسيحي مادّة أساسية كسائر المواد التعليمية، تُعطى بانتظام ومسؤوليّة وجدّية. فإنّها جزء لا يتجزّأ من مهمّتها التربوية، بل هي أساس وجودها، وتعطي نفحة ومعنى لسائر المواد التعليمية الأخرى. ذلك أنّ المدرسة وُجدت لكي تصقل شخصية الإنسان بكلّ مقوّماته الحسّية والروحية، العلمية والأخلاقية، الفردية والجماعية. إنّ مستقبل وطننا يُبنى على مقاعد مدارسنا. ولذا، تدافع عنها الكنيسة بكلّ قواها، وتحافظ عليها بالرغم من كلّ مصاعبها ومصاعب الأهل الذين نقف بقربهم ونساعدهم بكلّ مستطاع، ضمانةً للعائلة والمجتمع البشري والدولة. وليبقَ صدى الإرسال الإلهي حيّاً في ضمائرنا وقلوبنا: “إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمِّدوهم، وعلِّموهم أن يحفظوا كلّ ما أوصيتكم به. وأنا معكم طول الأيام، حتى نهاية العالم” (متى 28: 19-20)”.
ثم تلقّى البطريرك الراعي هدايا تذكاريّة من الوفود المشاركة في الندوة الآتية من ثلاثة عشر بلداً شرق أوسطيًاّ: لبنان، سوريا، فلسطين، قبرص، مصر، السودان، الأردن، العراق، الكويت، سلطنة عمّان، الإمارات العربيّة المتحدّة… وترمز كلّ هديّة إلى شعار كل بلد.
كما قدّم المونسنيور أبرص والأباتي نعمة والأب ندرة منحوتة مذهّبة تعبّر عن شعار المؤتمر المختصر برمز السمكة وهي تعني باللغة اليونانية مختصر العقيدة المسيحية أي: “يسوع المسيح ابن الله المخلّص”، لكلٍّ من البطريرك الراعي، والمونسنيور كاتشا والأب محفوظ.
هذا ويتابع المؤتمر أعماله لغاية يوم السبت في جامعة الروح القدس – الكسليك.