#adsense

ليس “حلف بغداد” – 2

حجم الخط

هل، فعلاً، يُعيد التاريخ نفسه مرّتين، “مرّةً بشكل مأساة وأُخرى بشكل مهزلة”، كما قال كارل ماركس؟

 وهل نحن أمام “حلف بغداد” جديد، يستعيد نفسه بعد 60 عاماً، بمأساة أَم بمهزلة؟

في الواقع، لقد جرت مياه كثيرة تحت جسور الشرق الأوسط والعالم، وتغيّرت معالم وقوى واستراتيجيّات وأنظمة وتوازنات، منذ 6 عقود إلى اليوم.

فلا روسيّا هي اليوم الاتحاد السوفياتي، ولا إيران وبشّار الأسد هما جمال عبد الناصر، ولا الحلف الغربي العربي الجديد يقتصر على 5 دول فقط (بريطانيا، العراق، تركيا، إيران، باكستان) وبرعاية أميركيّة، كما كانت الحال آنذاك.

كان الحلف القديم موجّهاً ضد الاتحاد السوفياتي، وتفكّك تباعاً منذ ولادته سنة 1955 بفعل تغلغل نفوذ موسكو أكثر فأكثر في الشرق الأوسط، وكانت آخر حلقاته المفكّكة سنة 1979 مع قيام ثورة الخميني.

الحلف الجديد الذي يضمّ أكثر من 40 دولة موجّه عمليّاً ضدّ الارهاب الصاعد، خصوصاً في العراق وسوريّا، ولم يَعُد في العراق لا نوري الأوّل ( السعيد)، ولا نوري الثاني (المالكي)، بينما في سوريّا نظام مريض ينتظر الجميع ساعة وفاته ودفنه لتوزيع تركته.

   ما يُمكن تسجيله هو أنّ موسكو وطهران ودمشق باتت في حال ارتباك شديد: فمن جهة تخشى أن يتحوّل الحلف ضدّها، ومن جهة أُخرى يحارب الحلف من يُفترض أنّهم أعداؤها، أي التنظيمات الارهابيّة وعلى رأسها “داعش”. فكيف ترفض عدوّ عدوّها؟ إلاّ إذا كان الارهاب ليس عدوّها، كما تدّعي!

مفارقة كفيلة وحدها بنفي مقولة أنّ التاريخ يُعيد نفسه.

إذاً، ما هو أفق “حلف بغداد” الجديد، أو “حلف جدّة”، أو “حلف باريس”، لا فرق. فهل يكون مصيره مثل سلفه، التفكّك السريع بفعل قوّة حلف آخر ما؟

في الحقيقة، ليس هناك أسباب وإمكانات موضوعيّة لقيام حلف عسكري يضمّ الثلاثي موسكو، طهران، دمشق، ووراءه “البريكس” ومتضرّرون آخرون.

ما يحصل الآن هو العكس تماماً، فالثلاثي يسعى إلى اقتطاع مكان له في التحالف الغربي العربي، والمشكلة هي في الدور والموقع، إذ ليس متاحاً أمام طهران مثلاً إلاّ الدور الخلفي وغير المنظور، يشبه ما قامت به حتّى الآن من دعم “البشمركة” سرّاً، ودعم المليشيات الشيعيّة في بغداد علناً. يُسمح لها بالتحرّك المحدود تحت المراقبة في الساحة الشيعيّة فقط.

حتّى حكومة بغداد الجديدة، وبرغم إشكاليّاتها، فهي منضوية حكماً في الحلف، وليست في وارد التزام السياسة الايرانيّة كسابقتها.

وبشّار الأسد ينتظر ما تُسفر عنه مساومات موسكو وطهران حول مصيره، وليس له أن يكون في موقع المفاوض أو واضع الشروط. بات مجرّد ورقة في يد حُماته.

أمّا لبنان، فمكانه الطبيعي هو الانتماء للتحالف الغربي العربي ومصلحته الوطنيّة هناك، وقد التزم قرارات مؤتمرَي جدّة وباريس، ولا ينفع رفع “حزب الله” عقيرته ضدّ هذا الالتزام، والامتعاض المكبوت من حليفه ميشال عون وتوقيع صهره في جدّة، وصبيانيّاته في”مقاومة النبيذ”!

 وقد فرض الواقع نفسه على “حزب الله”، فانتقل من الرفض المطلق إلى الموافقة على دخول لبنان الحلف، بدون فتح أرضه وسمائه أمامه!.. وكأنّه يقول كتلك العروس ليلة زفافها: ” ببكي وبروح!”.

لقد غيّر التحالف وُجْهة التطورات ولعبة التوازنات. فعلى مستوى المنطقة، أسقط معادلتين: قوس النفوذ الايراني الذي كان بلغ مرحلة متقدّمة من النجاح، و”جبهة الممانعة والمقاومة” التي أصبحت شعاراً خاوياً أو نمراً من ورق.

وعلى مستوى العالم، أعاد خلط أوراق مجموعة “البريكس”، وأجبر موسكو على إعادة حساباتها من كييف إلى دمشق، وعلى تليين خطابها القيصري المتجدّد.

ويجب الاقرار بمفارقة لافتة: أنّ ما تباهى به خصوم الولايات المتحدة حول “هزيمة المشروع الاميركي” في المنطقة، ارتدّ عليهم من خلال عودته من الباب العريض، وبطلب ومناشدة منهم ومن حليفهم العراقي، لكنّهم مربكون في التعامل مع الحقيقة الجديدة. وعنوان ارتباكهم: كيف نقبل بقيادة “الشيطان الأكبر” ونمشي في مؤخّرة الركب، وبعد الوليّ الفقيه نخضع للوليّ الأميركي؟!

ولم يَعُدْ خافياً أنّ “حلف بغداد” الراهن، لا يشبه في شيء سلفه المنكود الحظّ.

والتاريخ قد يُعيد نفسه أحياناً، لا بشكل مأساة أو مهزلة، بل بشكل تصحيح مسار .. وانتصار.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل