#adsense

ذاك النداء في ذاك الأيلول

حجم الخط

في ذاك العشرين من أيلول 2000، وفي خضم الترويج لمنطق الاحباط المسيحي وذروة إحكام نظام الاسد قبضته على لبنان بواسطة النظام الامني اللبناني – السوري، أطلق بطريرك الاستقلال الثاني مار نصرالله بطرس صفير والمطارنة الموارنة النداء الزلزال… ذاك النداء الذي يجسد حقيقة المسار التاريخي للبطريركية المارونية، مسار لم يستلسل اليه الخوف يوماً ولم يعرف الذمية نهجاً… مسار وعر كجبال لبنان ومغاوره ووادي قنوبين، لكنه مسار مستقيم لا ينكسر ولا يلين… مسار طابعه ماروني لكن همه إنساني وطني كياني…

نداء الاربعاء ذاك شكل صرخة ضمير في برية عملاء ومتزلفين وتجار هيكل، وصوت رجاء لنا نحن المقاومين، وبصيص نور خافت في افق نفق المجهول ذاك الذي كان الوطن يمر به، وشعلة رجاء في عتمة المعتقلات وقلوب المظلومين المصلوبين على قضبانها…

لم يحسبها البطريرك صفير بحسابات البشر، لم يأبه من التهديد بالقتل الجسدي والتهويل بأن العشب سينبت على أدراج بكركي ولم يصغ الى تلك الوجوه الصفراء التي كانت تُهوّل بالاسوء وتدعو الى الانحناء مع العاصفة التي قد تقتلع الوطن… حسبه أنه كمعلّمه يحمل صليب الموجوعين وعينه على القيامة غير آبه بكأس خلّ وحربة وجلجلة إضطهاد…

شامخ كالارز وصلب كإيمان أسلافه، نطق جهاراً بأوجاع شعب وأنين وطن لم يجرؤ بعضهم أن يبوح بها همساً أو حتى أن يفكر بها سراً… نطق بالحقائق المُرة التي كانت تتسلل الى الصرح البطريركي رغم القمع الدموي… نطق عن الحرية المسلوبة والملاحقات التعسفية وعن “البلنكو” و”الفروج” و”كرسي الكهرباء”…

  فأعلن والمطارنة قانون الايمان بالحرية وحقوق الانسان، مشيرين الى انه “وقد بلغ الوضع في لبنان هذا الحدّ من التأزّم، فأصبح من الواجب الجهرُ بالحقيقة، من دون مواربة أو تحفّظ، على ما هي راسخة في النفوس. ونرى الناس يتسارّون، فماً إلى أذن، ويخشون البوح بها، خوف الاعتقال وما يجرّه عليهم من وبال. ومعلوم أن الحقيقة وحدها تنقذ. وذلك قبل فوات الأوان”.

 وبشجاعة المؤمن بقضية، دعوا الى تلاوة فعل إعتراف وطني بصراحة وتواضع قائلين: “لنعترف بأننا جميعا أخطأنا إلى بلدنا عن أنانية، وجهل، وقصر نظر. ونال كل منا نصيبه من قهر، وإذلال، وامتهان، وخسارة، وتدمير. وقد آن الأوان لفحص ضمير جدّي، واتخاذ العبر مما جرى، والسعي إلى حلول تنقذ الوطن من التفكيك الذي يبدو أنه يسرع الخطى إليه. وعلى جميع اللبنانيين أن يعملوا متضامنين للحيلولة دون وقوع ذلك”.

لم يخيفهم نيرون ذاك الزمن، فإنتقدوا بشدة قانون الانتخابات النيابية الذي فصله نظام الاسد على قياس منافعه وأحجام مستزلميه، ونعتوه بالفساد منددين بشراء الضمائر وإثارة النعرات الطائفية… سموا الاشياء بأسمائها، ووصفوا من دون أي مواربة ممارسات أجهزة الاستخبارات السورية ومعها اللبنانية التي تراوحت بين الترهيب والترغيب… آلمهم مشهد طوابير المواطنين يستجدون تأشيرات سفرٍ الى أصقاع الارض، وحقيقة الوضع الاقتصادي المزري، وإستباحة الانتاج السوري لأسواقنا كما اليد العاملة غير اللبنانية وخصوصا السورية التي كانت تحظى بالرعاية في لبنان…

مسكونين بهاجس الحرية وكرامة الانسان ومفعمين بعبق التاريخ المجبول بعرق النضال، كسروا المحرمات وحطموا أغلال الخوف وصرخوا بوجه إنتهاك المحتل للسيادة وهيمنته على المؤسسات والمرافق والخلل المتعمد في الادارات وممارسات القضاء الاعرج…

 حكمة بكركي في إختيار الاوقات والازمنة دفعتها الى إطلاق نداء أيلول بعد إنسحاب إسرائيل لا قبله ليشكل اول دعوة علنية بهذا الحجم والوضح لخروج المحتل السوري من لبنان. فكان النداء المؤسس لخلق الاطر الوطنية لعمل التيار السيادي يومها والتي تدرجت من لقاء “قرنة شهوان” الى “لقاء البريستول” و”ثورة الارز” وصولاً الى 26 نيسان 2005…

نداء أيلول 2000 خير عبرة للخائفين في ايلولنا اليوم من “داعش” و”حالش” بأن من آمن بقضية وناضل في سبيلها لا تقوى عليه شياطين هذه الأرض ولا بدّ ان يصل الى مبتغاه… نداء أيلول ذاك الذي تزامن مع الترويج يومها لضرورة ركب المسيحيين موجة نظرية “حلف الاقليات” عبر دعم نظام الاسد أفضل رد على مستحضري هذا الخيار اليوم… نداء أيلول يؤكد أن قول الحقيقة مهما كانت المخاطر واجب علينا لا خيار…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل