
بينما الفتنة تسنّ رأس حربتها المذهبية والطائفية وتتحيّن الفرص لتوجيه طعناتها السامة في جسد الوطن، تتكاتف الجهود رسمياً وحزبياً وأهلياً لتجنيب الساحة الداخلية الانزلاق مجدداً في أتون مستعر بنيران الاقتتال المذهبي والخطف على الهوية يجهد خاطفو العسكريين لجرّ اللبنانيين إليه، في وقت بدا “حزب الله” أ كمن يسعى لصبّ الزيت على هذه النيران من خلال تحريضه علناً أهالي العسكريين على «الثأر» وفق ما جاء على لسان رئيس الهيئة الشرعية للحزب الشيخ محمد يزبك من منزل عائلة الشهيد محمد حمية في طاريا. أما على المستوى المسؤول رسمياً ووطنياً، وفي حين أكد رئيس الحكومة تمام سلام التعبئة العسكرية والأمنية في مواجهة الإرهاب رداً على استمرار مسلسل تصفية الأسرى، فقد استحصلت “المستقبل” على معلومات أمنية دقيقة تكشف عن خارطة تموضع خاطفي العسكريين في جرود عرسال والقلمون حيث يأسر مسلحو “داعش” و”النصرة” العسكريين في مغاور ضخمة في كل من “وادي الرهوة” و”وادي ميرا”.
خطف مناطقي
إذاً، ما هي إلا ساعات على ضخ “حزب الله” أجواء مشحونة تحضّ على “الثأر لشهدائنا” كما قال يزبك، حتى انطلقت مساءً موجة من الخطف العشائري العشوائي في البقاع الشمالي طالت عدداً من أبناء عرسال وامتدت إلى بيروت حيث اختُطف المواطن عبدالله محمد البريدي من منطقة الأوزاعي. إلا أنّه، وبينما أعلنت وسائل إعلامية تبني بعض أهالي العسكريين عمليات الخطف لمبادلتهم بأبنائهم، تسارعت الاتصالات لوأد الفتنة على أكثر من خط أمني وحزبي لا سيما مع «حركة أمل» التي أكدت لمراجعيها أنها ضد أعمال الخطف وترفع الغطاء عن مرتكبيها، وسرعان ما نجحت هذه الاتصالات في تأمين إطلاق شخصين من آل فليطي كانا خطفا على طريق البقاع في حين لا تزال المساعي جارية للإفراج عن مخطوفين آخرين من آل الحجيري. وذلك بالتزامن مع إعلان قيادة الجيش تسلّم مديرية المخابرات المواطن البريدي الذي خُطف في الأوزاعي.
مغاور الخاطفين
بالعودة إلى جغرافية تموضع المجموعات الإرهابية في المنطقة الجردية المتداخلة مع الأراضي السورية، وفي حين تمثل جرود عرسال الشاسعة نسبة 5% من مساحة لبنان وسط طبيعة تتميز بجبالها وأوديتها الوعرة، فإنّ المسح الأمني للمنطقة يبيّن أنّها مليئة بالمغاور الطبيعية التي يصل عمق بعضها إلى نحو 70 متراً بارتفاع 7 أمتار. وتفيد المعطيات الأمنية التي استحصلت عليها «المستقبل» بأنّ المجموعات الإرهابية تتحصّن في هذه المغاور حيث عمد المسلحون إلى تقسيمها لعنابر مستخدمين في ذلك حجارة الخفّان، كما تكشف معلومات مستقاة من شهادات عدد من العسكريين المحرّرين أنّ هذه العنابر مزوّدة بأجهزة تدفئة وإنارة.
وإذ لا يُستبعد أن يكون المسلحون قد جهّزوا بعض هذه المغاور الجردية بصحون لاقطة لبثّ الأقمار الاصطناعية، تتكشف بحسب المعطيات الأمنية معلومات تشير إلى أنّ العسكريين المخطوفين لدى تنظيم «داعش» موجودون في إحدى مغاور «وادي الرهوة» في جرود عرسال، بينما المخطوفون لدى «جبهة النصرة» من المرجح أنهم باتوا في «وادي ميرا» في جرود القلمون السورية المتصلة جغرافياً بجرود عرسال، لا سيما وأنّ هذه المنطقة الجردية تتداخل لبنانياً وسورياً في ظل عدم ترسيم الحدود في تلك المنطقة بين البلدين.
المعطيات الأمنية تشير كذلك إلى أنّ المجموعات الإرهابية استولت على عدد كبير من البيوت الزراعية الممتدة على مساحة واسعة من المنطقة الجردية، وتتخذ منها مقار لتمركز مسلحيها مع استفادتهم من الزراعة البعلية في الجرود حيث يعمدون إلى قطع أشجار الكرز المنتشرة بكثافة هناك بغرض استخدام خشبها وقوداً للتدفئة لا سيما مع اقتراب فصل الشتاء.
هذا قالت مصادر مواكبة لعملية التفاوض لـ”الشرق الأوسط” إن الأمور باتت مظلمة في ظل تعثر المفاوضات، مشيرة إلى أن “النصرة” تعتبر الآن أن الحكومة اللبنانية تماطل على صعيد الرد على طلبات الخاطفين، علما بأن المقاتلين في هذه الأوقات يتحضرون لمعارك الشتاء، ويريدون حسم هذا الملف بشروطهم.
وقالت إن الجماعات السورية المتشددة، بشكل عام لا تقف الآن عند الإغراءات المالية، لأنها مكتفية ماديا، وترى أن إطلاق سراح المقربين منها آيديولوجيا، هو نصر لها، مشيرة إلى أن الجبهة تسعى للمقايضة على عدد يوازي، بالحد الأدنى، المخطوفين لديها، من السجناء الإسلاميين.
وقالت المصادر إن المفاوضات الآن تراوح مكانها، مرجحة أن تكون جبهة “النصرة” أرسلت رسالة بهدف التسريع بتلبية مطالبها عبر إعدام هذا الجندي.
وقالت مصادر حكومية لـ”الحياة” أن إعلان سلام المواجهة مع المسلحين السوريين يعود إلى اقتناعه بأن التفاوض معهم على إخلاء العسكريين كان يجري في ظل استمرارهم في القتل وهم رفضوا الالتزام بشرط وقفه لتستمر العملية التفاوضية. وأضافت: «مضى شهر ونصف الشهر على احتجازهم العسكريين ونحن نسعى للتفاوض ونبقي على الخيارات كافة مفتوحة ولا يمكن القبول بأن يتسببوا بفتنة بين اللبنانيين عن طريق مواصلتهم الإعدامات للجنود». وأوضحت المصادر «أن الوسيط القطري لم يأت إلى لبنان أول من أمس كما كان مقرراً لكنه أبلغ الجانب اللبناني أن «النصرة» أعلمته أول من أمس بأنها ستباشر إعدام العسكريين إذا لم تنفذ الحكومة مطالبها بالإفراج عن سجناء في سجن رومية، وإذا لم تفتح الطرقات التي أقفلها الجيش بين عرسال والجرود، فضلا عن مطالب أخرى». ورداً على سؤال عما إذا كانت المفاوضات توقفت، قالت المصادر أنها «علّقت ولا يمنع العودة إليها إذا أراد الفريق الآخر التصرف بعقلانية».
وقالت مصادر عرسالية أن المفاوضات كانت متعذرة في الأيام الماضية لأن البلدة معزولة عن الجرود ولا يستطيع أي كان أن ينتقل إليها لمقابلة قادة المسلحين.