
كتبت أنديرا مطر في صحيفة القبس الكويتية:
الحوار مع رئيس الهيئة التنفيذية في حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع، ممتع، وشاق، ومحفوف بالمخاطر في آن معاً. يحمل هذا الرجل هموماً كثيرة، فهو يكاد يكون الآن الممثل الوحيد في المنطقة لمسيحية مرتبطة بمحيطها العربي العام ومنسجمة مع آمال وتطلعات شعوبها نحو الحرية والتحرر، كما يحتل موقعاً مميزاً في المعادلة اللبنانية جعله يقف حائلاً دون إمساك حزب الله بمفاتيح القرار المسيحي بشكل تام. إنه صاحب شخصية مركبة تجمع بين العسكري والسياسي والمثقف والمناضل. من هنا تنبع خصوصية أي حوار معه.
يعرض “الحكيم” في حواره مع القبس جملة من الافكار والمواقف يفصح فيها عن رؤيته الشاملة لتطورات الوضع المحلي والإقليمي والدولي. يشرح رؤيته الخاصة لموضوع الحرب على الإرهاب، التي لن تكون في نهاية المطاف سوى حرب على الأسد. يرصد نهايات وشيكة لمشروع الممانعة، كما يرى ان لبنان في دائرة أمان معينة من الناحية الأمنية، ولكنه مهدد، بما يسميه الانحلال الدستوري. وفي ما يلي تفاصيل الحوار:
• السؤال البديهي الآن: هل لبنان في خطر؟
– هذا سؤال واسع وعميق، وتالياً فإن الاجابة عليه لن تكون سهلة. الخطر المحدق باللبنانيين، كما رأينا في الأشهر الاخيرة، تمثل ببعض الاعمال العسكرية من هنا والأعمال الأمنية من هناك، وبعض الحوادث المتفرقة في مختلف المناطق. ولكن هذه هي حدود الخطر في الوقت الحاضر، وهو ليس متأتياً مما يجري في المنطقة. الخطر الذي نعيشه هو خطر الانحلال الدستوري، فالدولة قانونها هو الدستور، والدستور حالياً لا يطبق. بداية هذا الانحلال تمثلت في عدم حصول انتخابات رئاسية، ومنع المجلس النيابي من التشريع الا في حالات الضرورة القصوى، وممارسة الحكومة لمهامها بالحد الأدنى.
في غضون الأشهر القليلة المقبلة سنكون أمام استحقاق الانتخابات النيابية. الحكومة لغاية الآن اقترفت ثغرتين: الأولى، ان دعوة الهيئات الناخبة لم تتم في الوقت القانوني. والثانية، أنه لم يتم حتى الساعة تشكيل الهيئة المشرفة على الانتخابات، مما يعني أن حصول الانتخابات بات أمراً صعباً، وحتى لو حصلت سيكون مشكوكاً بأمرها. الخطر على لبنان في الدرجة الاولى هو في الانحلال الدستوري الذي بدأ مع تعطيل الانتخابات الرئاسية، وهو ما سيتسبب في الإضرار بلبنان بجميع مكوناته، إضافة إلى بعض المخاطر الأمنية التي، برأيي، لن تكون جوهرية، أي تفجّر لبنان. بالتأكيد ستخلف خسائر كما حصل في طرابلس وعرسال والضاحية الجنوبية من قبل، ولكن لن تؤدي إلى تفجير لبنان.
• الحوادث الأمنية التي ذكرتها متركزة حالياً في منطقة البقاع الشمالي المحاذي لمنطقة القلمون السورية. “القوات” لها حضورها المؤثر في البلدات المسيحية في المنطقة، فهل من إجراءات استثنائية اتخذت هناك لحماية هذه البلدات من هجوم محتمل لـ”داعش” و”النصرة”؟
– الاجراءات نتخذها انطلاقا من تقديرنا للوضع. تبعا لتقديراتنا في حزب “القوات اللبنانية” ككل وتقديراتي الشخصية، نرى أن بعض المجموعات المسلحة، وبالأخص التكفيرية، هي الموجودة في مكان ما على جهة لبنان من حدود عرسال. ولكن مع بدء الحرب الدولية على تنظيم الدولة الاسلامية، كما رأينا في العراق، بدأ هذا التنظيم يتقهقر. لا تزال هذه الحرب في بدايتها وسوف تشهد تصعيداً متزايداً. في سوريا سوف تقوى شوكة الجيش السوري الحر الذي يقاتل هذه التنظيمات بسبب الدعم الدولي المقدم له، وهذا واضح من خلال العمليات العسكرية التي نفذها في الأسبوعين الأخيرين. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أثبت الجيش اللبناني في معركة عرسال والحوادث الامنية المتعاقبة بأنه موجود ويقاتل وتصله إمدادات وذخائر، وقد بات متنبهاً ومحتاطاً أكثر. بوجود هذين العاملين لا أرى أي خطر على البلدات المسيحية. استطراداً، لا داعي للقيام بأي اجراءات. كل ما علينا فعله في الوقت الحالي هو دعم الدولة والجيش والقوى الأمنية الموجودة، وبرأيي هذه هي الطريقة المثلى للدفاع عن لبنان.
• كيف تنظر إلى ما يجري في هذه القرى بالذات وخاصة تسليح شبانها من قبل بعض القوى السياسية بذريعة الدفاع عن انفسهم وما يشاع عن بداية أمن ذاتي؟
ما يجري في هذه القرى هو مجرد عملية استعراضية داخلية أكثر منها عملية تسليح جدي للدفاع. في بلدة القاع المسيحية الحدودية على سبيل المثال، وزعت أحزاب 8 آذار سلاحاً على بعض الشبان الذين جاهروا بأنه سلاح من “حزب الله” لحمايتهم. وأنا أسال: اذا كانت الستين الف بندقية التي يمتلكها الجيش اللبناني مع دباباته ومدفعيته وتدريبه، لا تستطيع -لا سمح الله- رد الهجمات المحتملة، هل ستردها الخمسون بندقية التي وزعتها بعض المجموعات المسيسة للأهداف السياسية التي ذكرتها؟! ما يجري هو محاولة تعويم سياسي لفرقاء 8 آذار لغش الناس واظهار أنفسهم بمظهر المدافعين عن المسيحيين في تلك المنطقة، بينما من يدافع عنهم حقيقة هو الجيش والدولة اللبنانية.
أفضل دفاع عن هذه القرى، وبالتالي عن لبنان، هو انتخاب رئيس للجمهورية يعيد الى مجلس النواب دوره التشريعي والى الحكومة عملها وديناميتها كي تستقيم الحياة السياسية بوجود مركز قرار فعلي ويومي.
لم يعد في سوريا نظام أو دولة
• لطالما أعلنت عن سقوط وشيك للنظام السوري فيما هناك الآن من يدعو الى التنسيق مع هذا النظام بوصفه الخيار الوحيد، والضروري، لاحتواء الخطر الذي تمثله التنظيمات الارهابية على لبنان؟
– من يطرح هذه المقاربة يطرحها من مبدأ عمالته أو صداقته للنظام السوري، والأمر سيان بالنسبة لهذا النظام الذي لا يفرق بين الصداقة والعمالة. بايجاز، أرى انه لم يعد في سوريا دولة او نظام قائمان. عن أي نظام نتحدث وكل آبار النفط تقريبا باتت تحت سيطرة داعش؟ أي نظام يدك شعبه ومدنه بالبراميل المتفجرة؟ الدولة التي كانت في السابق تحولت الى واحدة من المجموعات المسلحة الموجودة في سوريا. بماذا يختلف بشار الأسد ومجموعته المسلحة عن الجولاني وجبهة النصرة؟ كل مجموعة تسيطر على منطقة، وتقتل وتستبيح. لا بل ان بشار الأسد يملك وفرة في وسائل القتل أكثر من الجولاني. لا يصح توصيف نظام أو دولة على مجموعة الأسد العسكرية التي تعيث خراباً وفساداً، وارهابها يوازي ارهاب داعش كي لا أقول يتجاوزه. كما نحارب داعش نحارب الأسد لأنهما بالمواصفات نفسها وان اختلفت التسميات.
• قلت في كلمتك في قداس شهداء القوات اللبنانية ان أي عمل للقضاء على داعش يجب أن يقترن بالقضاء على أسباب نشوئه.. هل ترى أن ذلك وارد في خطة الائتلاف الدولي؟
– الدول التي اجتمعت لمحاربة داعش تعتبر أنه لا يكفي القضاء على داعش عسكرياً فقط. صحيح أنه يجب القضاء عليه عسكريا ولكن أيضا يجب القضاء على الأسباب التي أدت الى نشوئه. لم يتحرك الأميركيون في العراق في الأسابيع الأولى من احتلال التنظيم للموصل والأنبار، لأن العملية بالنسبة اليهم مرتبطة برحيل المالكي وتشكيل حكومة جامعة شاملة. وفي سوريا، رفض الائتلاف الدولي التنسيق مع الأسد لأنه يعتبره فاقداً للشرعية وارهابه يوازي ارهاب داعش. اذا القضاء على داعش لا يكفي دون ان يقترن بحل سياسي شبيه بما طرح في جنيف 2، أي رحيل الأسد وقيام حكومة مؤقتة تعيد ترتيب الأمور في سوريا. هذه برأيي قراءة الائتلاف الدولي، صحيح أن حربه العسكرية المباشرة ليست ضد النظام السوري، ولكن حربه غير العسكرية وغير المباشرة هي في وجه هذا النظام.
• دائما ثمة حديث عن مظلة دولية لحماية لبنان. ما دامت شبكة الأمان الداخلية مفككة على ذلك النحو الدراماتيكي، الى أي مدى أنت مطمئن الى هذه المظلة؟
– لا أعتقد بوجود هذه المظلة التي يحكى عنها. اللبنانيون غالبا ما يمنون النفس بأشياء خارجية لا تصح. ارادة الفرقاء اللبنانيين الرئيسيين بابقاء الوضع في لبنان هادئاً هي المظلة الحقيقية. بغض النظر عن الاختلاف السياسي، أقول ان كل المجموعات اللبنانية تساهم في حماية لبنان حاليا. طبعا مشروع فريق 14 آذار هو الدولة. لكن ارادة حزب الله، وهو الطرف الاقوى تسليحاً هي في ابقاء الوضع هادئا، بالاضافة الى ارادة تيار المستقبل والقوات اللبنانية وسائر الأطراف. ربما البعض لا يملكون ارادة التهدئة هذه ولكنهم في الوقت نفسه لا يملكون امكانية تغيير الاوضاع.
مشروع عون
• الا ترى أنك وفريق 8 آذار شركاء في ذلك الجدل البيزنطي حول رئاسة الجمهورية ولا بد من اجتراح حل ابداعي لهذه المسألة. اذا خرجنا من الدائرة الحالية كيف ترى الحل؟
– في الواقع اتأسف لصيغة السؤال التي تساوي بين فريقي “14 و8” في التعاطي مع الملف الرئاسي. ما الذي قام به فريقنا؟ أعلن عن مرشحه وهذا أمر طبيعي، عرض برنامجا رئاسيا وهذا أمر بديهي، ومن ثم حضر كل جلسات الانتخاب ومارس واجبه وحقه. بالمقابل ما الذي قامت به جماعة 8 آذار؟ لغاية الآن لا نعرف من هو مرشحها. ولا نعلم شيئا عن برنامجها. ولم يحضروا أي جلسة من جلسات الانتخاب. لذا لا يجوز وضع الفريقين في سلة واحدة. ما أوصل الامور الى هذا المنحى الخطير هو فريق 8 آذار وتحديداً حزب الله والتيار الوطني الحر، من خلال مقاطعتهما لجلسة الانتخاب. بعد يومين (23ايلول) هناك جلسة انتخاب رئيس، ليذهب أحد هذين الفريقين ويشارك في انتخاب رئيس. نحن سنشارك كما فعلنا في الجلسات السابقة.
ماذا علينا أن نفعل أكثر؟ ما المطلوب منا؟ هل المطلوب ان نذهب وننتخب ميشال عون؟ هناك حد أدنى من الحريات السياسية وحرية الرأي. اعتراضنا على العماد عون ليس لشخصه، وانما بسبب مشروعه السياسي الذي التزم به في السنوات الثماني الأخيرة والذي نراه مدمراً للبلد. في ما يتعلق بترشحي، انا مستمر في الترشح، ولكن منذ اللحظة الاولى قلت وأكدت، ثم عاد فريقنا السياسي وأكد عليها: اذا كنتم ذاهبون الى الانتخابات فأنا مرشح، واذا كنتم غير راغبين وتريدون مرشحا توافقيا فأنا مستعد وغير متمسك بترشيحي.
• لماذا ترفض اقتراحاً بتولي عون الرئاسة لمدة سنتين. هذه المبادرة التي حكي عنها منذ شهرين دون ان يتبناها أحد، ثم عادت للتداول الاعلامي منذ يومين مع جولة النائب وليد جنبلاط على الزعماء المسيحيين؟
– هذه مبادرة طرحها بعض أطراف 8 آذار. وتعود للتداول مع كل صولة وجولة لأحد الأطراف. وفي الواقع، هناك وسطيون او محايدون باتوا يروجون لهذا الطرح. ولكن تقصير المهلة الرئاسية أمر مرفوض من قبلي جملة وتفصيلاً. اولاً، لأنه ممنوع المس بولاية الرئيس وكأنها ولاية مدير عام. وثانياً، هل ما لا يصح على السنوات الست يصح على سنتين؟ اذا كان المشروع السياسي الذي يحمله الجنرال عون، برأينا، مدمرا للبلد على مدى ست سنوات، ينتفي ضرره إذا قصرنا المهلة الرئاسية الى سنتين؟
• أنت قارئ للاحتمالات الاستراتيجية وما أكثرها في المنطقة، هل تعتقد أن الصيغة اللبنانية ستبقى وأنت الذي رأيت ذات يوم أن مع الصيغة الفدرالية خلاص لبنان؟
– عندما تكون الدولة مقسّمة وفي حالة حرب تكون الصيغة الفدرالية نقلة نوعية نحو الوحدة. ولكن عندما تكون الدولة موحدة، تصبح الفدرالية خطوة الى الوراء. لنضع الامور في نصابها الصحيح، طرحت هذه الصيغة في الثمانينات عندما كنا في عز الحرب الاهلية. اما في ما يتعلق بالصيغة اللبنانية، فكثير من المؤشرات تدل انها متماسكة بالرغم مما يحصل في العالم العربي، ومن كل مشاكلنا وخلافاتنا الداخلية. وسط كل ما يجري في المنطقة لا يزال لبنان هادئاً، ولا تزال الممارسة اليومية للمواطن تحتكم الى الدولة على الرغم من شحوب هيبتها. لأن إرادة اكثرية اللبنانيين هي أن يبقى لبنان على هذا النحو. بتقديري الصيغة اللبنانية باقية حتى إشعار آخر.
نظرة الى الثورات العربي
• يلفتني على مواقع التواصل الاجتماعي ردة فعل السوريين الثائرين المرحبة ازاء اي خطاب او كلمة تلقيها، هل لا تزال على ايمانك أو قناعتك بالثورة السورية كما كنت حين انطلقت في بدايتها؟
– مئة في المئة. الثورات ليست خطوة تنتهي في يوم، هي عملية طويلة ومعقدة تبدأ في يوم ولا نعرف متى تنتهي. لنأخذ مثالا تونس، من ينكر انه لم يكن ثمة ربيع عربي فيها؟ في ليبيا طبعا الوضع مختلف مع أن العمليات متشابهة ولا تختلف في سياقاتها، ولكن طبيعة المجتمعات هي المختلفة. ليبيا يستلزمها وقت طويل لتصل الى ما وصلت اليه تونس في مدة قصيرة.
بسبب مجموعة العقبات والمشكلات في المجتمع السوري، أرجح ان تأخذ العملية وقتاً أطول، ولكنها ستصل الى غاياتها. كانت اللعبة مقفلة بسطوة الانظمة الدكتاتورية، انفتحت اللعبة الآن كأنه صندوق “باندورا”، فبانت عن وجوه جميلة كما في تونس، ووجوه جميلة وأخرى قبيحة في أماكن أخرى. ولكن لو لم تفتح لبقي التاريخ مصبراً مجمداً.
الآن بدأ التاريخ الفعلي للشرق الاوسط، كل هذه التفاعلات الحاصلة، على مأساويتها ودمويتها وكل الخسائر البشرية والعناء والتعب، هي تاريخ المنطقة. المجتمعات تمر بمراحل، الثورة الفرنسية استلزمها مئة عام، والاعمال التي حدثت في سياقها من مقاصل واغتيالات وتشويه تجعلنا نترحم على ابو بكر البغدادي، وانما علينا رؤيتها على مستوى التاريخ وعلى المدى الطويل. الربيع العربي بدأ وسوف يستمر لسنوات وفي نهاية المطاف سيأخذ وضعه الطبيعي.