
كتبت دنيز عطالله حداد في “السفير”:
على الأرجح لن تكون جرأة البابا فرنسيس في كسر «تابوهات» كنسية واجتماعية محطّ اهتمام الكثير من الاوساط اللبنانية. فاللبنانيون يهتمون فقط اذا كان الكرسي الرسولي سيضغط على العماد ميشال عون لتسهيل انتخابات الرئاسة. ويتابعون اتصالاته مع الدول، وتحديدا فرنسا، لمعرفة مدى امكانية أن تسفر عن امر رئاسي ايجابي او تُبقي على «الستاتيكو». يدققون فقط في كل ما يمكن ان يُترجم في السياسة وزواريبها.
لكن رأس الكنيسة الكاثوليكية، اقدم يوم الاحد الماضي، على كسر «محرم» آخر من المحرمات الكنسية والاجتماعية، حين قام، في عرس جماعي، على تزويج ثنائي، كانا يعيشان معا قبل الزواج. ولمزيد من الدلالات، فالمرأة، كانت متزوجة ومطلقة ولديها ابن حضر معها الى العرس، وخصّه البابا بالسلام والكلام. كما زوّج امرأة انجبت ابنة وتقوم بتربيتها من دون زواج. هي «ثورة» مكتملة العناصر في الفكر والسلوك الكنسي. لم يتجرأ بابا قبله على الاقدام عليها. وحتى «المجمع الفاتيكاني الثاني» الذي عقد سنة 1965 وادخل اصلاحات دينية ـ اجتماعية ـ سلوكية، على العديد من المفاهيم والطقوس الكنسية، لم يقترب من خطوة فرنسيس هذه.
توجه البابا الى العريسين قائلا «ليس المهم ان يتساكن شخصان قبل الزواج او ان يتبادلا تراشق الصحون بعده، وانما المهم ان تعرفا كيف تحافظان على المحبة والسلام بينكما».
سلوك البابا ومواقفه لا تنعكس فقط في الديني، وتزعزع مفهوم احدى الوصايا العشر «لا تزن»؛ ولا تنعكس فقط على تعاليم الكنيسة ومعتقداتها. في هذا الموضوع، كما كثير سواه، لها انعكاسات اجتماعية مرتبطة بحياة الناس وتقاليدهم والافكار التي نشأوا عليها، في الغرب كما في الشرق وسائر الدنيا.
ان يتقبل البابا المساكنة، ويزوج امرأة مطلقة ويبارك ابنها ويعتبر ان المفاهيم تتمحور حول الحب والسلام، فذلك له تداعيات اجتماعية اكثر منها دينية.
ينسحب ذلك على الكاثوليك في العالم، والشرقيون منهم، واللبنانيون على وجه الخصوص. ففي زمن الفتاوى «الداعشية» وسبي النساء واغراقهن في سواد المفاهيم والملابس، يفتح البابا للمسيحيين ابوابا تقترب اكثر فاكثر من المفاهيم «المدنية» الغربية. وتلك مفاهيم ترسخت بعد سنوات من الحروب والمواجهة، نجحت فيها المجتمعات الغربية في ان تعيد الكنيسة الى داخل اسوار اديارها والكنائس، وان تفصل الديني عن الشأن الدنيوي، وبترجمة اوضح فصله عن الدولة التي اصبحت هي الراعي والضامن لحقوق الافراد والمجموعات، آمنوا ام لم يؤمنوا.
في الاصل، شكّل سلوك البابا منذ انتخابه صدمة عند كثيرين. فذاك المتهكم على من يظنون انه كان للمسيح حساب مصرفي، بدأ بالاصلاح من موقعه. تنازل عن كل مظاهر البذخ في الكرسي البابوي، من مكان اقامته الى نوع سيارته. هز المؤسسة المالية في الفاتيكان التي كانت ترشح منها روائح فساد. اقال الاسقف ومعاونيه المسؤولين عنها، كما اقال سكرتير الدولة وعيّن مجموعة من ثمانية كرادلة كلفهم وضع خطة اصلاحية شاملة. وعلى هذا المنوال يواصل حراكه، وعلى كل المستويات.
اما نحن، في هذه المنطقة البائسة، فتأتي خطوة البابا فرنسيس، وكأنها من خارج سياق عالمنا. فهي تؤشر الى عمق النقاش الذي سيدفع اليه في اجتماع للأساقفة من كل أنحاء العالم، لبحث تعاليم الكنيسة بشأن القيم الأسرية، في ظل التغيرات التي يشهدها العالم، والذي يفترض ان يُعقد بعد نحو ثلاثة اسابيع.
اما نحن فنغرق في «قيم» مختلفة. ننبش عنها في التاريخ. نحاول ان نترجمها في الجغرافيا. وبين حدي التاريخ والجغرافيا نرتاح للاقامة الجبرية في العصور السحيقة في مفاهيمها ومقارباتها ونظرتها الى الحياة.
في كلامه الى الذين بارك زواجهم قال فرنسيس ان»الزواج ليس طريقاً سهلاً، بل هو رحلة مليئة بالمتاعب، لكن هكذا هي الحياة».
في هذه فقط، طالنا البابا. حياتنا هنا، هي تماما «رحلة مليئة بالمتاعب».. وأكثر.