إن ننسَ فلن ننسى: أبطال الحرب شهداء السلام… من سامي أبو جودة الى بيار إسحق

كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” العدد 1421:

إذا كان الموت غيابًا، فنحن اليوم نحتفل معهم بيوم “الحياة” من أجل لبنان.

كيف يموتون ودمهم ما زال ساخنًا؟!

لقد بات واقعًا يقينًا أن هذا التراب لا تبرد فيه دماء الشهداء، أحياء كانوا أو أمواتاً. والحروب على هذه الأرض لا تنتهي، ولو احتال لاعبو السياسة الاقليمية والدولية لإقناعنا أن ملف الحرب قد طوي وأن اللبنانيين إتفقوا في “الطائف” على السلام، على الحرية والسيادة والإستقلال…

كان يجب أن نستذكر شهداء ما بعد الحرب، ما بعد الطائف، زمن السلام والأمن الموعود، ونبحث عن نقطة لآخر سطر الأسماء من رفاقنا الشهداء في القوات اللبنانية ونقول… على الدنيا السلام!

إلا أن غليان الدم اليوم، من الاشرفية الى الضاحية الى طرابلس أحرق النقاط على الحروف، ومحى دمار الإنفجارات آخر السطور. مسلسل الشهادة يكمل فصولًا، بالأمس تعانقت أسماء شهداء الجمهورية الثانية من رمزي عيراني الى هاشم سلمان، من رينيه معوض الى رفيق الحريري الى جبران تويني، من نديم عبد النور الى سمير قصير، من سليمان عقيقي وبيار بولس الى وسام الحسن ووسام عيد… لم تختلف قصص استشهادهم إلا بالتوقيت ونوع الرصاص أو الـ تي أن تي… وما زال الكثير من الموت في خزان النار والبارود ذاك.

رغم إدراكها حجم المخاطرة غلّبت “القوات اللبنانية” خيار السلم على خيار الحرب، وتجرّعت كأس قبولها بإتفاق الطائف أو ما سمي بوثيقة الوفاق الوطني. حرب إلغاء شُنّت عليها وصلت فاتورتها الى 3000 شهيد مع المدنيين و300 ألف غيرهم سقطوا ضحية الهجرة والتهجير. رغم كل الضغوط لم تتوقف المقاومة اللبنانية عن تسديد ديون سيادة لبنان فواتير اضطهاد واعتقالات واغتيالات… مع أننا دخلنا زمن السلم، الحُلم.

كما لكل معركة أبطالها كان لذاك الزمن المقنّع أبطاله أيضًا! هل تذكرون؟!!

قد يعتبر البعض أن سبحة الاغتيالات التي طالت “القوات اللبنانية” لتصفية المقاومة المسيحية بدأت مع تفجير كنيسة سيدة النجاة منذ العام 1994. ربما صحيح لأن الكيل كان قد طفح بالقواتيين الذين لم تقتلهم الحرب ولم تطفئ فيهم رياح السلم شعلة المقاومة والنضال. ففي العام 1990 إتبعوا سياسة التصفيات للناشطين القواتيين على الأرض. سامي أبو جودة ونديم عبد النور وسليمان عقيقي وإيلي ضو، كل منهم كان على رأس الهرم في التركيبة العسكرية أو الحزبية لمنطقته. تصفية الرموز كانت رسائل تهديد للدكتور سمير جعجع قائد الحرب والسلم، وإن لم تغيّر في مواقفه أو تردع خطواته فان المتوقع منها كان بالتأكيد أن تُرعب الرعية وتبعد القواتيين خوفًا من بئس المصير.

الشهيد سامي أبو جودة

الشهيد سامي ابو جودة، ونزولا عند توسلات عائلته سافر الى الولايات المتحدة بعد تلقيه التهديدات بالقتل عقب دخول الجيش السوري والأحزاب الموالية له الى المنطقة الشرقية إبان بعد عملية 13 تشرين 1990 . إلا أنه عاد لتمضية عيد الميلاد مع الأهل. في 18 كانون الأول وبينما كان يكتب أمنياته على بطاقات المعايدة في محل الصاغة الذي يملكه في الزلقا دخل عليه مسلحون نادوه باسمه وبادروه التحية بالرصاص. ليقع أول شهيد على لائحة التصفيات.

الشهيد إيلي ضو

بعده الرفيق إيلي ضو إحتفل بليلة الميلاد شهيدًا بعد أن اقتحم بيته مسلحان وأردياه قتيلا ومن ثم طاردوا زوجته الحامل الى المطبخ وأطلقوا عليها النار إلا أن العناية الإلهية أنقذتها، وولد إيلي الإبن ليكمل ما بدأه والده مع أخويه بشير وأنيس. إيلي لم يعرف أن القرعة رست عليه وأن القتلة سيصوبون غدرهم باتجاهه بعد أن ظهر الى جانب الدكتور جعجع فخورًا بازالة الستارة عن تمثال للشهداء في بلدته كفرشيما. كانوا يحتاجون طريدة في المتن الجنوبي يلقنون بواسطتها الشباب المقاوم هناك درسًا لا ينسى.

الشهيد سليمان عقيقي

بعد عام بالضبط أي عام 1991، وفي ليلة الميلاد أيضًا كان الهدف في جرد كسروان في بلدة كفرذبيان بالتحديد، أكبر بلدة كسروانية وخزّان المقاومة، أطلق عملاء نظام الوصاية السورية النار على قائد المنطقة الرفيق سليمان عقيقي واغتالوه بـ 18 رصاصة أصابت واحدة منها علبة الحذاء الذي كان يحمله لإبنه رودي هدية في العيد. لم ينالوا منه على جبهة عيون السيمان التي حافظ عليها مع شباب المنطقة برموش العينين فغدروا به أعزلًا في زمن السلم. كانوا وما زالوا عملاء للنظام السوري جبناء رسموا سيناريو الإغتيال على أنها خلافات شخصية مع شباب قواتيين من البلدة فاغتالوا قائدهم لتبدو المسألة وكأنها عملية إنتقام وتصفيات عائلية، فيما كانت غاية الرأس المدبر و”سيّد” الموقف أن يُبقي مفاصل “القوات” مشلولة عاجزة عن القيام بأي حركة تمردية أو إنتفاضة شعبية ضد قوى الأمر الواقع.

الشهيد نديم عبد النور

ولأن الأشرفية كانت قلعة المقاومة كان يجب أن تلقن نصيبها من درس الدم، فاعترض مسلحون في 3 أيار 1992 طريق الرفيق نديم عبد النور وكان برفقة ولده طوني. ولما رأى نديم شيطان القتل في عيونهم قال: بدكن تقتلوني قتلوني، بس مش قدام إبني. سمعت زوجته وولداه إطلاق النار ورأوه على الأرض شهيدًا يرسم دمه خريطة لبنان.

كانوا أبطالا في الحرب، ولما سلّموا سلاحهم صاروا مكشوفين، لم تحمِهم الدولة التي سلّموها أعناقهم، لا بل أنها لم تجرؤ على محاسبة القتلة والمجرمين الذين كانوا معروفين بالأسماء والعناوين.

الدولة القاصر التي إرتضت أن تخضع للوصاية لم تأمن أجهزتها الأمنية آنذاك لموقف “القوات” من الإنتخابات النيابية عام 1992 وقرار مقاطعتها ردًا على عدم إعادة إنتشار الجيش السوري وإنسحابه الى البقاع، بما يتعارض مع ما إتُفق عليه في الطائف. لم ينفّذ الانسحاب إلا بعد إغتيال الرئيس الحريري وانطلاق ثورة الأرز التي أنهت إحتلالًا عسكريًا للجيش السوري إستمر 29 عامًا. خرج آخر جندي سوري من لبنان في 26 نيسان عام 2005.

الشهيد فوزي الراسي

إستمر التململ من السياسة القواتية الرافضة للإذعان حتى ذاك اليوم المشؤوم عصر 21 نيسان 1994 يوم إلتقت سيارة إسعاف تنقل جثمان الرفيق فوزي الراسي على الأتوستراد الساحلي برانج روفر كان يقلّ الدكتور جعجع من غدراس الى وزارة الدفاع. خرج فوزي شهيدًا من أقبية التعذيب. توقف قلبه المريض وهو يُجلد على “البلانكو”. رفاق فوزي في الإعتقال رأوه يمرّ يومها في الرواق مكبلًا عرفوا من صراخه أنه أدخل غرفة التعذيب ليرغم على الإقرار بمعلومات تدين الحكيم وتمسكهم بخيط دليل. بعد آخر شهقة قال فيها “يا عدرا..” ساد الصمت… إستشهد.

فوزي الراسي شهيد السجون والاعتقالات الأول، فمع تبدل الظروف السياسية تبدّلت أيضًا وسائل القتل وأصبحت أكثر إجرامًا والجلاّد أكثر تبجحًا!!

الشهيد جورج ديب

الشهيد نعمة زيادة 

ومع تحقيق “القوات” الإنتصارات الشعبية المفاجئة بالررغم من كل الضغوط ووسائل الإضطهاد وجرائم التهويل لا سيما في الإنتخابات البلدية عام 1998 إستهدفت عبوة ناسفة في منطقة الدورة الرفيقين جورج ديب ونعمة زيادة فاستشهدا فجر 19 حزيران على إثر صدور النتائج النهائية في صناديق الإقتراع كافة. لم يتحمّلوا أن تقوى العين على المخرز وكان انتقامهم جبانًا، وبدل التحقيق في مقتل الشهيدين بدأت حملة إعتقالات واسعة للقواتيين وشملت التحقيقات المئات بتهمة الإخلال بالأمن والتخطيط لعمليات ضد السوريين في لبنان. مرة أخرى يعاقب الضحايا ويكافأ المجرمون.

الشهيد رمزي عيراني

أكملت أيدي الشرّ بابتكار السيناريوهات التي تستهدف عصب “القوات اللبنانية” المقاوم لكل وسائل الردع والتهويل لا بل حتى الوعود والإغراءات. وكان الضحية اللاحقة المهندس رمزي عيراني، رئيس مصلحة الطلاب في “القوات” والناشط في نقابة المهندسين الذي إستدعي عشرات المرات للتحقيق معه، قضايا كان يقال إنها أمنية. وغالبًا ما كانت الإستدعاءات بعد تظاهرات للطلاب تطالب بإطلاق سراح الدكتور سمير جعجع وتحقيق السيادة والاستقلال للبنان فعلًا لا قولًا. أوقفوه وهدّدوه. راقبوا منزله ومكان عمله. تبعوه. وبعد ظهر الثلاثاء السابع من أيار 2002  إختفى. فهل هم خطفوه؟ يعتقدون أن سرّه ذهب معه. من خطف المهندس رمزي عيراني؟ ومن أعاده في العشرين من الشهر نفسه الى عائلته مكوّمًا في صندوق سيارته وقد قتلته رصاصتان، الأولى في القلب والثانية في الرئة؟ زوجته تربط شريط الأحداث التي تعاقبت طيلة أيام إختطافه، تترجم الجمل غير المفيدة التي كانوا يلعبون على أعصابها بها لتنهار وينهار معها الجميع ويختمون على كل ظاهرة شبابية مثل رمزي بالشمع الأحمر. تدرك أنها كانت أمام الجلاد وتسلّم جريمة إغتيال رمزي لعدالة السماء. جاد وياسمينا من رائحة والديهما الشهيد يكملان عنه، وكل سنة يقدمان جائزة رمزي عيراني للمهندسين المتفوقين، وينعمان بإرث والدهما من بطولات المقاومة… من ضجيج الحياة!.

الشهيد بيار بولس

بعد رمزي سقط الرفيق بيار بولس “حبيب الكل”، إغتالوه وفق السيناريو ذاته الذي رسم لجريمة رمزي: جريمة قتل، صندوق سيارة، تضليل التحقيق، إرهاق الأهل بالشائعات، مصلحة الطلاب، النضال السرّي لكسر قيد الحكيم…

بيار الملتزم بالصلاة كل ليلة جمعة مع عائلة مار شربل ودّع الجميع تلك الليلة في عنايا ضاربًا موعدًا جديدًا معهم في الأسبوع المقبل للمشاركة بمسيرة الصلاة من دير مار شربل الى المحبسة. أوصل صديقته الى منزلها، تمنى لها ليلة هادئة عبر الهاتف وهو في انطلياس… وانتهى.

كان الأول من أيار 2004، صمت بيار ولم يصل الى والديه، نزل والده يفتش عن سيارته في موقف السيارات في الأشرفية، وجدها، الدم تحتها بركًا… الفاجعة، بيار مقتولًا ومغدورًا بضربات من قضيب حديدي على رأسه.

إستدرج بيار ليركن سيارته هناك، وعمال الموقف السوريون تواروا بعد تلك الليلة وصوّرت الجريمة على أنها جريمة قتل بدافع السرقة.

الشهيد بيار عفارة

الشهيد بيار عفارة

دماء الشباب القواتيين كانت مهدورة آنذاك، وأي قواتي كان يرفع الصوت يعني أنه يحمل دمه على كفه، تمامًا كما حصل للرفيق بيار سيمون عفارة إبن الثالثة والعشرين الذي كان يحضّر لقداس رابطة إيليج مع رفاقه في برج حمود في 14 أيلول 2004 ويشاهد قداس الشهيد الشيخ بشير الجميل في محله لبيع الأشرطة والأفلام، حين افتعل أحد السوريين الأكراد مشادّة كلامية لاستدراجه الى عراك. بيار الشاب الصغير أحسّ ببراثن الموت تتلمّس قلبه، فركض باتجاه البيت ينادي والده “بيي جايين يقتلوني..”. كانوا زمرة من السوريين الأكراد يلاحقونه فوصل أحدهم اليه وعالجه بطعنة في الصدر مزّقت قلبه الصغير. هول الجريمة كان كبيرًا لأن أسبابها غير واقعية، لماذا يُقتل شاب بعمر الزهور هكذا؟ الإجابة كانت جاهزة، لأنه قواتي وكبش محرقة سهل استهدافه، ولأن رستم غزالي كان يريد أن يوصل رسالة دموية وافتعال إضطرابات. وفعلا حصلت مطاردات ومعارك بالسلاح الأبيض بين العناصر الأمنية والجيش اللبناني من جهة وزُمر من السوريين تتغلغل في أحياء برج حمود السكنية المكتظة. لكن بيار لم يكن هناك!.

الشهيد عزيز صالح

الشهيد طوني عيسى

الشهيدان عزيز صالح وطوني عيسى كانا من الرفاق الذين آمنوا بدولة القانون وحرية التعبير والإنتخاب، ففي أوائل تموز عام 2005 وقبيل خروج الجيش السوري من لبنان فتح المدعو يوسف فرنجية النار عليهما في بلدة ضهر العين على خلفية الإنتخابات في الشمال فأرداهما أمام رجال الأمن والدرك في الساحة، ثم هُرِّب الى سوريا حيث مات هناك.

زوجة عزيز حملت دفتر الخواطر التي كان يدونها الى الدكتور جعجع في الأرز وأهدته إياه لتنفذ مشيئة زوجها القواتي القديم الذي قرّر أن يدوّن كل ما غاب عن الحكيم وهو في المعتقل ويهديه هذا الدفتر ليكون مفاجأة له. آخر مدوّناته كانت: أعظم الرجال وأعظم الأفكار يغتالهم أصغر الرجال وأصغر الأفكار، فكن عظيمًا في تفكيرك بالرغم من ذلك.

الشهيد رياض أبي خطار

عزيز إستشهد عظيمًا على يد أصغر الناس وعلى طريقه مشى الشهيد رياض أبي خطار الذي سقط برصاص الغدر على أوتوستراد البترون عندما كان أنصار المردة والتيار الوطني الحر يقطعون الطريق العام تنفيذًا لمخطط قوى 8 آذار لشل البلاد ذاك الثلاثاء الأسود 23 كانون الثاني 2007 يوم أرادوه “بروفة” للإنقلاب على الدولة اللبنانية وقطع أوصال قوى 14 آذار والهيمنة على كامل الأراضي اللبنانية.

الشهيد بيار اسحق

ولا ننسى الشهيد الرفيق بيار اسحق الذي نعته “القوات اللبنانية” في 17 أيلول 2008 عقب إشكال افتعله أنصار تيار المردة في الكورة حين كان بيار ورفاقه يوزعون ملصقات في بلدة بصرما الكورانية تدعو الى المشاركة في قداس شهداء المقاومة اللبنانية فحصل إشكال مع شبان من مركز تيار المردة في البلدة وأطلقوا النار عليهم فقتل هو وأصيب رفاقه.

إذا كان للباطل يوم فللحق ألف يوم ويوم. من الضروري أن نعرف من قتل شهداءنا بدم بارد في زمن السلم، ربما ترتاح نفوسنا نحن المنتظرين برجاء كبير أن تتحقق العدالة مرّة في لبنان فينال المجرمون عقابهم هنا في محاكم الأرض، محاكم دولة افتديناها بالدم والاعناق… بدلًا من أن نلقي الحِمل كالعادة على إله أثقلنا كاهله بالظلم الذي حملناه من بداية الحرب وحتى اليوم، طالبين عدالة السماء!!

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل