#adsense

حلقتان مفقودتان

حجم الخط

تحالف من أكثر من أربعين دولة «لتحجيم ومن ثم القضاء» على فصيل إرهابي استغل انهيار جيشي العراق وسوريا – إضافة إلى الانقسام المذهبي الحاد لأبنائهما – لاقتطاع موطئ قدم ظرفي لمسلحيه على أراضيهما.. تحالف لم يعرفه التاريخ حتى في حربيه العالميتين؛ الأولى والثانية.

من يتابع جهود واشنطن الحثيثة لحشد أكبر عدد ممكن من دول العالم في صفوف التحالف القائم في وجه «داعش»، ومن يستمع إلى تحذيرات الرئيس الأميركي باراك أوباما بأن الحرب مع «داعش» حرب طويلة الأمد قد تستغرق ثلاث سنوات من عمر الزمن، يخيل له أن واشنطن تحضّر لحرب عالمية ثالثة وليس لعملية عسكرية محدودة – في المكان والزمان.

هذا لا يعني التقليل من خطر «داعش»، بل التذكير بأن خطرها «إرهابي» أكثر مما هو «عسكري»، أي أنها، في أفضل ظروفها، قادرة على تهديد أمن واستقرار الدول التي تعاديها أكثر بكثير مما هي قادرة على «اقتطاع» دولة قابلة للحياة في القرن الحادي والعشرين، حتى في الشرق الأوسط.

كفى تضخيما لمخاطر «داعش» العسكرية، وإن كان هذا التضخيم يستهدف، بالدرجة الأولى، حشد العامل النفسي المؤازر للحملة على الإرهاب وتأمين التغطية «الإسلامية» لهذه الحملة في الشارع العربي.

وعلى هذا الصعيد يجوز التنويه بما حققته واشنطن من إعادة خلط لأوراق الاصطفافات الإقليمية في الشرق الأوسط، وخصوصا نجاحها في ترتيب محور إقليمي متعاطف معها في مواجهة المحور الروسي – الإيراني – السوري الذي أمسك بزمام المبادرة الدبلوماسية والعسكرية في الشرق الأوسط على مدى السنوات الثلاث المنصرمة.

مع ذلك، هناك حلقتان تبدوان مفقودتين – أو غير واضحة الدور – في محور مواجهة «داعش»، أولاها الدولة الأكثر ديمقراطية، وفي الوقت نفسه الأكثر مذهبية في المنطقة، أي لبنان، وثانيها الدولة الوحيدة الإسلامية والأطلسية في آن واحد، أي تركيا.

بالنسبة إلى لبنان، لم يعد خافيا على أحد، وتحديدا على الكثير من المسؤولين اللبنانيين، أن واقع بلدهم المتردي سياسيا والمتعثر اقتصاديا والمشرذم مذهبيا، مرشح لأن يتحول إلى «بيئة حاضنة» للتداعيات المذهبية والأمنية للحملة على «داعش».. إذا ما تركت تبعاتها تتفاعل في الشارع اللبناني. والمقلق على هذا الصعيد غياب أي إرادة جدية لاستعادة هيبة الدولة في شارعها قبل أن يتطاول هذا الشارع على آخر ما تبقى من معالمها.

أما بالنسبة إلى تركيا فإن موقفها غير الواضح بعد من شكليات مشاركتها في التحالف الدولي ضد «داعش» يثير تساؤلات عدة، وخصوصا على خلفية ما حققته «الدولة الإسلامية (المزعومة) في العراق والشام»، من «إنجازات» توحي بأنها مشروع تجاري ناجح أكثر بكثير مما هي مشروع سياسي قابل للحياة.

واضح أن أهمية «الإقليم» السوري في «الدولة الداعشية» لا تعود إلى الدور الذي تلعبه سوريا «كملاذ آمن» لمقاتليها ولمخازن عتادها بقدر ما تعود إلى ما تقوم به من دور أساسي على صعيد تأمين مداخيل مالية ثابتة للتنظيم الإرهابي.

إذا صحت معلومات البنتاغون الأميركي، تسيطر «داعش»، في «إقليمها» السوري، على مجموعة من مصافي النفط الصغيرة التي تكرر ما بين الثلاثمائة والخمسمائة برميل نفط يوميا، وهي كمية تؤمن لـ«الداعشيين» عائدات مالية تصل إلى المليوني دولار يوميا.

لذلك، لا غرابة في أن يصبح قصف مصادر التمويل النفطي لـ«داعش»، حاليا، أولى أولويات الاستراتيجية العسكرية الأميركية في الحرب على التنظيم الإرهابي.

ولكن، في ضوء رفض واشنطن زج القوات الأميركية في حرب ميدانية في سوريا، وبانتظار توفر الظروف المواتية لغيرها لخوض مواجهة عسكرية مع مسلحي «داعش» على الجبهة السورية، تستوجب عملية تجفيف سيولة الفصيل الإرهابي فرض إغلاق محكم على منافذ تصدير النفط «الداعشي» عبر الحدود التي يسيطر مقاتلوها على معظمها، أي الحدود التركية، واتخاذ إجراءات رادعة بحق المنتفعين بالمتاجرة بنفط «داعش» الرخيص في الأسواق الغربية (يقال إنها تبيع البرميل لوسطاء التصدير بـ25 دولارا فقط) فتقطع بذلك حجة المدّعين بأن الغرب يمول بنفسه الإرهاب على الغرب.. هذا إذا كانت مصانع السلاح والذخيرة في الولايات المتحدة لا تمانع في تقصير أمد الحرب على الإرهاب.

المصدر:
الشرق الأوسط

خبر عاجل