
ليس أسعد من بشار الاسد في هذه الايام! كل شيء يجري بحسب ما خطط وما لم يخطط له، حتى بما لم يخطر على باله على الاطلاق! وسعادة “سيدي الرئيس” غالبا مصدرها اللبنانيون أنفسهم… بعضهم بطبيعة الحال! ها هو يجلس فوق عرش الجثث في قصر الدماء ويضحك تلك الضحكة الهستيرية عندما يرى دمار لبنان، تهالكه الامني والسياسي وحتى الجغرافي، والاهم من كل ذلك، تهالك القيم اللبنانية العريقة أمام عينيه وأحيانا لاجله وباسمه!!
كل هذا الكلام لنصل الى الآخر، أو لعلها الآخرة، الاخرة ليس أن تموت وترحل الروح من الجسد، الآخرة أيضا عندما تصبح الكرامة الوطنية مزبلة السخرية ومحطّ الاهانة والتهكّم.
هذا ما حصل في أعرق الامكنة الدبلوماسية في العالم، مجلس الامن، عندما تحولت الدبلوماسية اللبنانية الى جسد امرأة يُتغنّى بها بلغة الاشارات الفاقعة أمام دبلوماسي عربي من الطراز العريق، ونحكي عن لقاء وزير الخارجية اللبنانية بنظيره الاماراتي، “وينها كارولاين؟”، وهذا ما حصل عندما تحوّلت لغة العيون الى لغة الذل والمهانة والاسفاف أمام دبلوماسي عربي آخر تقاطعه الدول العربية بغالبيتها، ووحده لبنان يكتفي بالنظر اليه بدونية مروّعة لتصبح لغة العيون هي لغة التواصل، كي لا نقول لغة تلقي الاوامر بـ”الوما” ولا داعي للحوار “نحنا منفهم على بعض”، ونحكي عن لقائه وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم.
“لبنان يقيم علاقات دبلوماسية مع سوريا ونستقبل السفير السوري من رئيس الجمهورية لرئيس الحكومة وكل الوزراء…الجميع كان على علم بلقاء المعلم رغم ان رئيس الحكومة تمام سلام أعلن انه لم يكن على علم باللقاء”، هكذا برر الوزير اللقاء، وان كان غضّ الطرف عن مسألة اخرى أهم اذ لم يتطرق باسيل الى مسألة الفهم المباشر المتبادل بينه وبين المعلم وبالعيون! “نتحدث في الأمن مع سوريا والعلاقة مرتبطة من رأس الهرم وصولا الى ادناه وفي اطار العلاقات الدبلوماسية مع سوريا ولقاء وزير الخارجية السورية بحسب الاصول” قال. بحسب الاصول؟ وهل تقضي الاصول الدبلوماسية لقاء “تفاهم” لم يتجاوز لغة العيون؟!! هل فعلها يوما شارل مالك؟ هل فعلها غسان تويني؟ هل فعلها فؤاد بطرس؟ لعله من المعيب زجّ أسماء بهذه القيمة الوطنية العالية بغير موقعها الكريم الكبير الصحيح…
وبعد، يقول الوزير في معرض التبرير للاساءة المباشرة أيضا والتي وصلت حدّ الاهانة لسيدة محترمة موظفة من الدرجة الاولى في الدبلوماسية اللبنانية، ان “الامر المؤسف انه جرى تلاعب بالصورة ولن ادخل بالتفاصيل ولكن ما جرى كان بموضوع الاشادة الدبلوماسية بحضورها وغيابها وهنا الاجتزاء وطبعا قلنا انها مرتبة بعملها وكنا بحديث مع الوزير الاماراتي عن تنافس بين المرأة وكان يخبرني عن المرأة الاماراتية التي قصفت بالطيارة وانا نافسته بالمراة اللبنانية بكل مظاهرها الخارجية الجيدة وبكل مضامنها الداخلية الجيدة… وصار هذا الاستعمال من قبل الاعلام في اطار التخريب على هذا الموضوع واعتقد ان هذا جزء من معركتنا بمواجهة داعش…”!!!
وما علاقة داعش بـ ” وينا كارولاين” مع تلك اللغة الجسدية للاشارة بالاعجاب بالسيدة الكريمة؟! ويضيف: “لا أعرف ماذا صُوّر ولا اشغل بالي بالموضوع لانني أعرف اخلاقياتي”. لا يعرف ماذا صور وهو يعرف تماما تماما ان الفريق الاعلامي الرسمي المرافق له هو من وزع الفيديو اياه علی جميع وسائل الاعلام في لبنان، ولم يكن فيديو مفبرك على الاطلاق. “وينها كارولاين يا معالي الوزير، هي الان تبحث عن مخبأ ، عن ستر مغطّى لحجب فضائح تلك الدبلوماسية التي حوّلت الخارجية اللبنانية الى حديث مقهى للتباهي والافتخار بالمركز الهبة الهدية التي هبطت على غير هدى الى غير مستحقيها وفي زمن لا هو بالزمن ولا هو باللبناني…وينها كارولاين؟…
…ويختم الوزير تبريره الاقبح من زنب من ارض المطار حين دوت ساعة عودته الى ارض الوطن هو من حمل “همومه” الى تلك الاروقة العريقة التي لم تنس من سبقه قبل أجيال وأجيال وحوّلوا المنبر الى صرخة كرامة، ختم ما حصل معه وتعرّض له، بجملة درامية مؤثرة اذ حذّرنا بأن “نحن أمام صراع حضاري وثقافي وديني وحاولت ربط المنتشرين بلبنان من خلال الثقافة”!! صحيح هي الثقافة بأعلى حلّتها تجلت للبنانيين والعرب والعالم في أعلى منصب للدبلوماسية اللبنانية، هي الثقافة ما غيرها التي ابتدعها ذات مجد شارل مالك عندما نصّ شرعة حقوق الانسان من المنبر اياه، هي نفسها ثقافة جبران خليل جبران وأمين الريحاني ومن شابههم من ادباء ومفكرين ووزراء أيضا ودبلوماسيين، صنعوا على مرّ السنين مجد لبنان وقيم لبنان وكرامة لبنان، لنصبح في آخرة الازمان مسخرة الدبلوماسية مع وزراء تعاقبوا في السنوات العشر الاخيرة خصوصا، ليصبح المركز مرآة نظام ديكتاتوري جلّ همومه تحويل لبنان الى مسخرة الدول وليس بفضله انما بفضل لبنانيين أنفسهم. هذه هي الثقافة وهذه هي لغة العيون وهذه هي دبلوماسية الآخرة اللبنانية.
