#adsense

وطن على رصيف التّشرّد

حجم الخط

بالأمس شاهدنا على شاشة إحدى المحطّات التّلفزيونيّة، تلك العائلة المشرّدة التي تعيش في مرآب للسيّارات العتيقة، وتأثّرنا بكيفيّة تعامل هذه المحطّة مع هذه الحالة الانسانيّة، وكيف أمّنت لها أدنى مستلزمات العيش الكريم. وللحال أدمعت عيون كلّ من عاين هذه المشهديّة ولم يستطع أن يقوم بتغيير بسيط ولا حتى بأيّ مبادرة. كيف بالحريّ إذا كان الوطن بأسره على رصيف التّشرّد؟

للعائلة ظروف، ومن أوّلها؛ حالة الوطن المشرّد بشكل عام. فمتى تشرّد الوطن، تشرّد أبناؤه. منهم من رحل منذ أكثر من قرن ليسبر أغواراً خلف المحيطات والبحار، ولم يعد.

منهم من تشرّد داخل حدود الوطن، ونحن منهم، فترك قراه وانتقل إلى قرى ومدن لا يعرف فيها أحدًا، لدرجة أنّهم أطلقوا عليه صفة “الغريب”، ليصبح ذلك “الغريب” في وطنه.

منهم اليوم من شرّد الوطن بعبوره الحدود محاولا أن يكون له وطناً بنفس الحدود، ولكن بغير الهويّة الكيانيّة الحقيقيّة للبنان. يومها قلنا عنهم: لبناننا غير لبنانهم، وترحّمنا على روح فيلسوف بشرّي والأرز، وصومعة مار سركيس، جبران خليل جبران.

  منهم، اليوم أيضًا، من لجأ إلى إعلان ولائه لأوطان عَبَرَ بواسطتها كلّ حدود من البحر الأزرق، والجبل الشّامخ، والوادي الفسيح، والسّهل الواسع إلى رمال سيغرق فيها حتماً.

منهم من آسر البقاء في لبنان، لكنّه رفض إلا أن يكون صاحب الكلمة الفصل، والكلّ من حوله أزلام، يرضخون لأهوائه ولأطماعه وحتّى لغرائزه، عسكريّة كانت أو سياسيّة.

منهم من تشرّد مع كلّ لحظة تشرّد فيها الوطن ليعيده إلى مسكنه الفسيح الذي يتعدّى بحدوده كلّ بعد جيوبوليتيكي كان أو حتّى جيواستراتيجيّ.

واليوم الوطن كلّه مرميًّا على رصيف التّشرّد، والسّبب قسم من أبنائه، فمن أراد أن يحارب خارج حدوده خدمة لأغراض أسياده، ومنهم من تمسّك بما منحوه إيّاه نتيجة إعلانه الذميّة المبطّنة بورق أيلوليٍّ أصفر، فالحلم الفارسيّ يراود إيران اليوم، لا سيّما وأنّ سراياها النّائمة باتت في كلّ الأوطان العربيّة.

 تحاول اليوم الجمهوريّة الاسلاميّة النّأي بنفسها عن الأزمات العربيّة كي لا تدخل في صراع طائفيّ، والأكثر نتيجة المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة الأخيرة، تسوّق إيران عبر أبواقها في العالم العربي، من “حزب الله” في لبنان، إلى الحوثيّين في اليمن، وما بينهما من أبناء الطائفة الشيعيّة الكريمة في البحرين، والكويت، وحتّى السّعوديّة، تسوّق بأنّ الحلف الاستراتيجيّ بين الغرب والشرق سيتجسّد نتيجة هذه المفاوضات وستكون إيران بعيدة عن هذا الصّراع، ويحاولون نقل الصّراع إلى إرهابيّ ضدّ المسلم المعتدل المتمثّل بأبناء الطّائفة السنّيّة. بهذه الحالة تصبح الأوطان العربيّة بأسرها، كلبنان المخطوف من أبناء إيران وحلفائهم، على أرصفة التشرّد في العالم، لتنعم الأمبراطوريّة الحالمة مع الغرب بالثروات الطبيعيّة في العالم العربي ولتتحكّم بسياسات الغرب وفقًا لحاجاته من هذه الثروات، لا سيّما تلك التي ما تزال تحت البحر الأبيض المتوسّط بين إيران وعدوّها المستجدّ، بعد أن حوّلت إسرائيل إلى هذا العدوّ، لتطأ أقدامها على شاطئ المتوسّط وعلى حدوده.

لكن فاتهم، أنّ للثّورات حركات وليس حركة واحدة، قد تدوم لأكثر من قرون لتصل إلى أهدافها الرّئيسة، والأمثلة في التاريخ وافرة، من الثورة الفرنسيّة إلى كلّ الثورات التي حدثت في العالم، من الولايات المتّحدة الأميركيّة إلى كلّ دول أوروبا. فالمشانق تعلّقت وسط الثورات والسّجون امتلأت في الفترة نفسها. أمّا اليوم فهذه الأوطان لم تعد على أرصفة التّشرّد، بل بتنا نحن من يبحث عن وطن، داخل حدود أوطاننا المشرذمة.

يبقى التّاريخ لأخذ العبر منه لنبني المستقبل الزّاهر، فتاريخنا يشهد أنّنا لم نترك الوطن على رصيف التّشرّد يوماً، فعندما احتاجنا علّينا بنيانه بعظامنا، وسيّجنا حدوده بدمائنا. واليوم لن نترك وطننا يئنّ على رصيف التّشرّد بلا وطن وبلا حدود بانتظار وصول المغرضين إلى هدفهم الرّئيس من خطفه. وطننا رهينة والفدية المطلوبة أن نركع ونقول لهم نعم. خسئوا … فنحن أحفاد مار يوحنّا مارون، وأبناء البشير، ورفاق الحكيم، ولن نموت إلا واقفين، ومن له أذنان سامعتان فليسمع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل